أخبار اليوم - ما زالت الصالونات السياسية حاضرة في المشهد العام، تعجّ بالحديث ولا تهدأ فيها النقاشات، سواء حول الشأن المحلي أو التطورات الإقليمية والدولية. غير أن المتابع لما يُقال في هذه المساحات يلحظ أن مضمون الحديث تغيّر، وأن الدور الذي كانت تؤديه هذه الصالونات لم يعد كما كان في السابق.
محليًا، يكاد النقاش يدور بشكل دائم حول التعديلات الوزارية، توقيتها، وأسمائها المحتملة، وحتمية إجرائها. للوهلة الأولى يبدو الحديث سياسيًا مشروعًا، لكن عند التمعّن أكثر، يتبيّن أن كثيرًا من هذا التداول لا ينطلق من حرص حقيقي على المصلحة العامة أو من باب النصح والتشخيص، بل من باب الترقّب الشخصي، وكأن المتحدث ينتظر أن يأتي دوره، أو يسعى لتهيئة الطريق نحو موقع أو منصب بعينه.
في مراحل سابقة، كانت الصالونات السياسية مساحة لفهم الحالة الأردنية، ومحاولة تفسير الشارع، وقراءة مزاج الناس، ونقل ما يعتمل في المجتمع إلى الحكومات وصنّاع القرار. كانت تُشبه مرآة غير رسمية للرأي العام، ومكانًا لتبادل الأفكار والتحذير من الأخطاء قبل تفاقمها، وتوجيه المسؤولين بقدر من الجرأة والمسؤولية.
اليوم، تبدّل المشهد إلى حدّ بعيد. كثير من هذه الصالونات بات أقرب إلى دوائر مغلقة، يدور فيها الكلام حول الأشخاص أكثر مما يدور حول السياسات، وحول المواقع أكثر مما يدور حول القضايا. تحالفات تتشكّل، واصطفافات تُبنى، لا لتصويب مسار أو الدفاع عن خيار وطني، بل للإطاحة بمسؤول هنا أو تمهيد الطريق للجلوس مكانه هناك.
هذا التحول أفقد النقاش السياسي جزءًا كبيرًا من معناه، وحوّل الحديث العام إلى ضجيج لا يصل إلى الشارع ولا يعبّر عن همومه الحقيقية. وحين يغيب المواطن عن طاولة النقاش، وتُختزل السياسة في حسابات شخصية، يصبح الكلام بلا أثر، وتفقد هذه الصالونات وزنها ودورها.
السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بوجود الصالونات السياسية من عدمه، بل بطبيعة الدور الذي تؤديه. هل تعود مساحة لفهم شؤون الدولة وهموم الناس، وقراءة المجتمع، وتوجيه القرار العام؟ أم تبقى أسيرة البحث عن المناصب والمواقع، تدور في حلقة ضيقة لا ترى خارجها؟
سؤال يبقى مفتوحًا، وإجابته لا تحتاج شعارات، بل مراجعة صادقة تعيد للنقاش السياسي معناه، وللكلام وزنه، وللشأن العام حضوره الحقيقي.