م. نور جمال السعايدة
لا أريد في هذا المقال أن أكرر مشاهد الفيضانات التي نراها كل شتاء، ولا قصص البيوت التي غرقت، ولا الخسائر المؤلمة في الأرواح والممتلكات والثروة الزراعية والحيوانية. هذه المشاهد باتت معروفة ومؤلمة، والناس قالت ما لديها.
ما يهمّني هنا هو السؤال الجوهري: لماذا نستقبل كميات كبيرة من الأمطار شتاءً، وتفيض السدود أحيانًا، ثم نصل إلى الصيف بلا ماء كافٍ للشرب أو الزراعة أو حتى للاستخدامات الأساسية؟
هذا ليس تناقضًا طبيعيًا، بل إشكالية إدارة.
أولًا: تحديد المشكلة بوضوح : المشكلة في الأردن ليست فقط شح الموارد المائية، بل في التخطيط لإدارة المياه المتاحة. ويمكن تلخيص جذور المشكلة في النقاط التالية:
• الأمطار تُدار كخطر لا كفرصة
مياه الأمطار تُصرف بسرعة عبر الشوارع والأنفاق إلى الأودية والبحار، بدل تخزينها أو إعادة استخدامها.
o غياب التخزين اللامركزي
o نعتمد على السدود الكبيرة فقط، بينما نُهمل الخزانات المنزلية، والحصاد المائي الحضري، وإعادة تغذية المياه الجوفية.
o عدم الربط بين الشتاء والصيف في التخطيط
o العمل على إعداد خطة موسمية متكاملة تربط إدارة الفائض الشتوي بتغطية العجز الصيفي.
• الفجوة المعرفية والتدريبية
o كثير من البلديات، والمجتمعات، وحتى المؤسسات، لا تمتلك المعرفة العملية لإدارة مياه الأمطار بطرق ذكية ومستدامة.
ثانيًا: لماذا في شتاء مليء بالمطر… وصيف بلا ماء؟
السبب بسيط ومؤلم في آن واحد:
• لأننا لا نُمسك بالماء حين يأتي، ثم نبحث عنه حين يرحل.
• لا نُخزّن كفاية
• لا نُعيد استخدامة
• لا نُغذّي المياه الجوفية
• ولا نُدرّب الناس والمؤسسات على إدارة هذا المورد المحدود
ثالثًا: حلول عملية – من إدارة الأزمة إلى إدارة المورد
التحول من “تصريف المياه” إلى “إدارة مياه الأمطار”
1. إنشاء أنظمة حصاد مائي في: المدارس ،المساجد، المباني الحكومية، المجمعات السكنية، استغلال مياه الأمطار لأغراض: الري، التنظيف، إطفاء الحرائق، تغذية الخزانات غير الصالحة للشرب،
2. التخزين اللامركزي بدل الاعتماد فقط على السدود (كيف يعني)؟
تشجيع:
• الخزانات المنزلية المنظمة
• الحفائر الترابية
• البرك الزراعية
• دعم مالي وفني للأسر والمزارعين بدل انتظار مشاريع ضخمة طويلة الأمد.
3. إعادة تغذية المياه الجوفية (Managed Aquifer Recharge)
توجيه مياه الفيضانات إلى:
• مناطق تغذية جوفية
• آبار امتصاص
• أراضٍ مناسبة جيولوجيًا
• هذا الحل يحفظ الماء لفترات طويلة بدل فقدانه خلال أيام.
4. استخدام المياه المعالجة استخدامًا ذكيًا
• التوسع في استخدام المياه المعالجة للزراعة .
• تخفيف الضغط عن المياه الصالحة للشرب في الصيف.
5. الدورات التدريبية… الحل المنسي
إدارة ملف المياه لا تنجح بالخرسانة فقط، بل بالعقول. وهنا يأتي دور التدريب:
دورات تدريبية مقترحة:
• إدارة مياه الأمطار والحصاد المائي للبلديات، المدارس، المجتمع المحلي
• التخطيط الموسمي للمياه (شتاء–صيف)
• كيف نربط الفائض بالعجز؟
• إدارة المخاطر المائية والتغير المناخي
• من الفيضانات إلى الجفاف
• تقنيات بسيطة منخفضة الكلفة
• حلول قابلة للتطبيق في القرى والمناطق الحضرية
من يجب أن يتدرب؟
• البلديات
• لجان من المجتمع المحلي
• المزارعون
• المهندسون الشباب
• الجمعيات المحلية
• المدارس والجامعات
بالمختصر
الأردن لا يعاني فقط من قلة الماء، بل من ضعف إدارة الماء حين يتوفر. وما بين شتاء يغرقنا وصيف يُعطشنا، هناك فرصة حقيقية لو:
أدرنا مياه الأمطار كأصل وطني
خزّنا بدل أن نصرف
درّبنا وخططنا للموسم
الماء ليس أزمة موسمية، بل ملف سيادي يحتاج إدارة ذكية، تدريبًا مستمرًا، وقرارات شجاعة.
أتمني أن يصل هذا المقال الى أصحاب القرار لمن يرد التغيير الايجابي وان لا تهمل الاقتراحات العملية