سرقة رقمية منظمة تستهدف أموال المواطنين
4.611 مليون دولار نُهبت عبر الاحتيال الإلكتروني
أخبار اليوم - وصل إلى هاتف محمد فرحان إشعار يفيد بخصم 7 دولارات من حسابه البنكي لمصلحة أحد المتاجر العالمية المعروفة، وبعد دقائق قليلة فوجئ بخصم حوالات أخرى بقيمة 2750 شيقلا. سارع فرحان إلى التواصل مع إدارة بنك فلسطين، ليبلغه الموظف بأن الحوالات صادرة “بشكل رسمي”.
وبحسب إفادة فرحان لـ "فلسطين أون لاين"، لم يقدم له موظف البنك أي معلومات إضافية بشأن الجهة التي سحبت المبلغ أو مكان وجوده، قبل أن يُفاجأ لاحقًا بتجميد حسابه البنكي دون توضيح الأسباب.
وإلى جانب فرحان، تعرض مصعب الهسي لعملية احتيال مشابهة، عقب تلقيه اتصالًا من شخص ادعى أنه موظف في بنك فلسطين، وذلك بعد دقائق معدودة من إنهاء مكالمة حقيقية مع خدمة العملاء في البنك.
يقول الهسي لـ "فلسطين أون لاين": “بعد انتهاء مكالمتي مع موظف البنك، تواصل معي رقم آخر ادعى صاحبه أنه من بنك فلسطين، وطلب مني أرقامًا تتعلق بحسابي البنكي. أخطأت وقدّمت له ما طلب، فقام بسحب 1400 شيقل، وهو كامل المبلغ الموجود في حسابي”.
وتبيّن لاحقًا أن الرقم الذي نفّذ عملية السحب مسجّل في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، ومُدرج عبر أحد تطبيقات كشف الأرقام والأسماء المعروفة.
كما تلقى الحاج أحمد داوود اتصالات مكثفة من شخص ادعى أنه يمثل جمعية خيرية خارجية، زاعمًا رغبتها في الحصول على بيانات بنكية لأيتام في قطاع غزة بهدف تحويل كفالات مالية شهرية.
ذيقول داوود، وهو كفيل يتيم ناجٍ وحيد من الحرب، لصحيفة فلسطين: “كان هناك إلحاح مريب من الشخص الذي ادعى تمثيل جمعية خيرية، خاصة في طلبه بيانات بنكية لا يجوز مشاركتها مع أي جهة”.
وبحسب داوود، سرعان ما أدرك أنه يتعامل مع محتال محترف، فتوقف عن الرد على اتصالاته خشية سحب أموال اليتيم.
شبكات احتيال منظمة
تكشف هذه الحالات، إلى جانب تأكيدات أمنية، عن وجود شبكات احتيال منظمة تنشط في النصب على المواطنين وسحب أموالهم من البنوك، لا سيما مع تزايد الاعتماد على التطبيقات البنكية والخدمات المصرفية الإلكترونية.
ويعتمد المحتالون على أساليب متعددة للإيقاع بضحاياهم، أبرزها إنشاء حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي تحاكي الصفحات الرسمية للبنوك، وطلب بيانات بنكية بحجة تسهيل الخدمات. كما يستخدمون أساليب الخداع عبر إيهام المواطنين بالحصول على جوائز مالية أو مساعدات مقابل مشاركة معلوماتهم البنكية، مستغلين ضعف الوعي الرقمي لدى بعض الفئات.
احتيال بالملايين
وأظهرت بيانات رسمية صادرة عن سلطة النقد الفلسطينية تضاعف عدد حالات الاحتيال الإلكتروني الموثقة خلال النصف الأول من عام 2025، ليصل إلى 1608 حالات، مقارنة بـ 786 حالة خلال الفترة ذاتها من عام 2024.
ووفق ورقة بحثية أعدها مركز “صدى سوشال”، بلغت القيمة المالية لعمليات الاحتيال الإلكتروني المصرفي الموثقة نحو 4.611 ملايين دولار خلال النصف الأول من عام 2025، مقابل 2.476 مليون دولار في الفترة المقابلة من العام السابق.
وبيّنت الورقة أن عدد عمليات الدفع الإلكتروني ارتفع إلى نحو مليون عملية شهريًا خلال عام 2025، مقارنة بـ 1.6 مليون عملية فقط خلال عام 2024 عبر منصة واحدة (e-Sadad).
وتشير البيانات إلى توسع رقمي متسارع في القطاع المصرفي الفلسطيني، الذي يضم 13 مصرفًا تخدم أكثر من 4.5 ملايين صاحب حساب، مع إصدار نحو 1.8 مليون بطاقة خصم مباشر، وبلوغ نسبة الشمول المالي 37% حتى نهاية عام 2024.
الاستخدام الخاطئ
المختص التقني خالد صافي أكد أن الغالبية العظمى من شكاوى الاحتيال تعود بالأساس إلى الاستخدام الخاطئ من قبل المستخدمين أنفسهم.
وقال صافي لـ"فلسطين أون لاين" إن “السبب الرئيسي يتمثل في جهل شريحة واسعة من المواطنين بآليات استخدام التقنيات المالية الحديثة، وافتقارهم لأساسيات الحماية الرقمية، إلى جانب انجراف بعضهم خلف وعود المساعدات أو الجوائز”.
وأوضح أن عددًا كبيرًا من الضحايا يشاركون بياناتهم الشخصية، بما فيها رموز التحقق الخاصة بعمليات التحويل، أو يضغطون على روابط مشبوهة، ما يتيح للمحتالين الوصول إلى حساباتهم بسهولة.
المختص التقني خالد صافي
وأشار إلى أن حملات الاحتيال باتت أكثر تنظيمًا وتركيزًا، ولا تقتصر على قطاع غزة، بل تمتد إلى الأردن ومصر، حيث استُهدف فلسطينيون نازحون بذريعة صرف رواتب أو مساعدات مالية.
كما حمّل صافي البنوك جزءًا من المسؤولية، لا سيما في ما يتعلق بضعف الإجراءات الرادعة بحق الحسابات المتورطة في الاحتيال، رغم توافر شكاوى وسجلات واضحة تؤكد تنفيذ عمليات تحويل مشبوهة.
موجة متصاعدة
من جانبه، أكد المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن قطاع غزة يشهد موجة متصاعدة من عمليات النصب عبر المحافظ الإلكترونية، خاصة محفظة “بال باي”.
وأوضح لـ"فلسطين أون لاين" أن المحتالين يستغلون الأحداث الجارية، مثل الحديث عن توزيع مساعدات مالية بقيمة 1250 شيقل، للتواصل مع الضحايا تدريجيًا وجمع معلومات تمكّنهم من السيطرة الكاملة على المحافظ الإلكترونية.
وأشار إلى أن امتلاك بعض المحتالين لمعلومات دقيقة عن الضحايا يثير تساؤلات جدية حول احتمال تسريب بيانات أو وجود ثغرات لم تُحقق فيها الجهات المختصة حتى الآن.
المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر
جريمة إلكترونية
بدورها، أكدت المستشارة القانونية كلير ريناوي أن الاحتيال الإلكتروني يُعد من أخطر الجرائم المستحدثة في المجتمع الفلسطيني، لما يشكله من تهديد مباشر لأمن الأفراد والمجتمع.
وأوضحت أن التشريعات الفلسطينية، رغم تطورها النسبي، ما زالت تعاني من ثغرات، خاصة في ما يتعلق بتجريم الاحتيال الإلكتروني بشكل صريح، مشيرة إلى أن القرار بقانون رقم (10) لسنة 2018 بشأن الجرائم الإلكترونية يشكل الإطار التشريعي الأهم لمعالجة هذه الجرائم.
المستشارة القانونية كلير ريناوي
وشددت ريناوي على ضرورة تحديث القوانين، وتعزيز القدرات الفنية للأجهزة المختصة، وإطلاق حملات توعية رقمية، إضافة إلى إقرار قانون لحماية البيانات الشخصية.
بنك فلسطين
من جهته، كشف رئيس دائرة الاتصال المؤسسي والعلاقات العامة في بنك فلسطين، ربيع دويكات، أن شبكات دولية منظمة تقف خلف عمليات الاحتيال المالي، وتنشط في قطاع غزة والضفة الغربية وعدد من الدول العربية.
وقال دويكات لـ"فلسطين أون لاين" إن “هذه الشبكات لا تتمكن من الدخول إلى الحسابات إلا بعد حصولها على بيانات العملاء نتيجة تقديمهم لها، إما بدافع الجهل أو الوقوع ضحية للخداع”.
رئيس دائرة الاتصال المؤسسي والعلاقات العامة في بنك فلسطين، ربيع دويكات
وأكد أن البنك يمتلك بنية تقنية وأمنية متقدمة، ولا يطلب من عملائه أي معلومات بنكية حساسة، محذرًا من الانسياق خلف صفحات وهمية تنتحل صفة البنك أو جهات رسمية.
وأشار إلى أن بنك فلسطين يستحوذ على نحو 35% من السوق المصرفي الفلسطيني، ما يفرض عليه مسؤولية مضاعفة في حماية العملاء والقطاع المالي.
فلسطين أون لاين