عالم يتشظّى ومحاور تُعاد صياغتها
يشهد النظام الدولي لحظة إعادة تشكُّلٍ عميقة، حيث لم تعُد
الاصطفافات تقوم على تحالفات ثابتة بقدر ما تُبنى على مصالح متغيرة، وحسابات قوة، ومخاوف أمنية متبادلة، الحرب في أوكرانيا، التوتر في الشرق الأوسط، صعود الصين، عودة الاستقطاب الأمريكي-الروسي، وتآكل فاعلية المؤسسات الدولية، كلها مؤشرات على عالم ينتقل من إدارة النظام إلى إدارة الفوضى، وفي هذا السياق، أصبحت الدول المتوسطة الحجم الأكثر عرضة للضغط، لأن الاصطفاف الخاطئ قد يكلّفها أمنها أو اقتصادها أو استقرارها الداخلي، الأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي وحساسية بيئته الإقليمية، يدرك أن الانجرار خلف المحاور الصلبة ليس خياراً، وأن الانكفاء ليس حلاً، من هنا، تبرز سياسة
التوازن الذكي كخيار استراتيجي واعٍ لا يقوم على الحياد السلبي، بل على إدارة دقيقة للعلاقات، وتوزيع محسوب للمواقف، بما يحفظ المصالح الوطنية دون الدخول في صراعات بالوكالة أو رهانات خاسرة.
الإقليم المشتعل… وحدود السياسة الممكنة
الشرق الأوسط اليوم ليس ساحة صراع واحدة، بل مجموعة أزمات متداخلة: فلسطين، سوريا، العراق، اليمن، البحر الأحمر، وامتداداتها الدولية، في هذا الإقليم، تُختبر الدول ليس بقوة خطابها، بل بقدرتها على البقاء متماسكة وسط الضغط،
الأردن يواجه تحديات مركبة: أمن حدود، موجات لجوء، ضغوط اقتصادية، ومحاولات جرّه إلى مواقف تتجاوز طاقته أو مصلحته، ومع ذلك، حافظ على ثباته، لا عبر الصدام، بل عبر قراءة دقيقة لموازين القوة، وفهم عميق لطبيعة كل فاعل إقليمي ودولي، فالتوازن الأردني لا يعني الغموض بل الوضوح الهادئ: كدعم القضية الفلسطينية دون مغامرة، والانخراط مع القوى الكبرى دون ارتهان، والحفاظ على علاقات إقليمية متنوعة دون الوقوع في فخ المحاور، هذه المقاربة جعلت
الأردن لاعباً يُستشار، لا ساحة يُدار فيها الصراع، وهو فارق استراتيجي بالغ الأهمية في
زمن الانفلات الإقليمي.
عبقرية القيادة: قراءة جلالة الملك للمشهد العالمي
في قلب هذه السياسة، تقف حنكة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي يتعامل مع السياسة الدولية بوصفها علم توقيت لا شعارات، جلالة الملك لا يقرأ الأحداث بمعزل عن سياقها، بل يربط بين الأمن، والاقتصاد، والدبلوماسية، والاستقرار الاجتماعي في معادلة واحدة، فخطابات جلالة الملك وتحركاته الدولية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات العالمية، وقدرته على مخاطبة العواصم الكبرى بلغة المصالح المشتركة لا بالابتزاز السياسي، جلالة الملك يدرك أن وزن
الأردن لا يُقاس بحجمه الجغرافي، بل بموثوقيته، ووضوح مواقفه، وقدرته على لعب دور الجسر لا الجدار، من واشنطن إلى موسكو، ومن بروكسل إلى العواصم العربية، حافظ
الأردن على موقعه كدولة عاقلة في
زمن الانفعال، وهو ما منح سياسته الخارجية مصداقية عالية، وجعل
أمنه الوطني امتداداً لشرعيته الدولية، لا عبئاً عليها.
التوازن الذكي: استراتيجية بقاء وتأثير
سياسة
التوازن الذكي التي ينتهجها
الأردن ليست تكتيكاً مرحلياً بل استراتيجية بقاء وتأثير في آن واحد، فهي تحمي الداخل من ارتدادات الصراعات، وتمنح الدولة هامش حركة في عالم يضيق على الدول الصغيرة والمتوسطة، هذا
التوازن يتطلب مؤسسات قوية، وتنسيقاً عالياً بين الدبلوماسية والأمن، ووعياً شعبياً بأن الاستقرار ليس موقفاً سلبياً بل خياراً استراتيجياً مكلفاً لكنه ضروري،
الأردن اليوم يقف في منطقة رمادية واعية: لا ينخرط في محاور صدامية، ولا يتخلى عن ثوابته، ولا يسمح بأن يكون
أمنه الوطني ورقة تفاوض، وفي عالم يندفع نحو الاستقطاب الحاد يصبح
التوازن الذكي شكلاً متقدماً من أشكال السيادة، ويغدو
الأردن نموذجاً لدولة تفهم أن النجاة لا تكون بالصراخ، بل بالحكمة، وأن الوزن الحقيقي يُصنع بالعقل قبل القوة.
حين تصبح الحكمة شكلاً متقدماً من السيادة
في الختام ... ففي عالمٍ يتجه بسرعة نحو الاصطفاف القسري، ويكافئ الانفعال أكثر مما يكافئ العقل، يثبت
الأردن أن السيادة الحقيقية لا تُقاس بحدة المواقف، بل بقدرة الدولة على حماية قرارها
الوطني وسط العواصف،
التوازن الذكي الذي ينتهجه
الأردن ليس موقفاً رمادياً، بل خياراً شجاعاً في
زمن الاستقطاب، يتطلب قيادة ترى أبعد من العناوين، ومؤسسات تفهم أن الأمن لا يُدار بردود الأفعال، وما يميز التجربة الأردنية اليوم هو أنها لا تراهن على لحظة بل على مسار، ولا تبحث عن دور صاخب، بل عن تأثير مستدام، وفي لحظة تاريخية تتبدل فيها التحالفات ويُعاد فيها تعريف الأصدقاء والخصوم، يختار
الأردن أن يكون ثابتاً دون جمود، مرناً دون تفريط، وحاضراً دون أن يُستنزف، هذه ليست سياسة نجاة فقط، بل نموذج دولة تعرف متى تتقدم، ومتى تتريث، ومتى تقول لا… بصوت منخفض يسمعه الجميع.