أخبار اليوم - على الرغم من مرور أكثر من 115 يومًا على سريان اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يتردد جيش الاحتلال في ارتكاب انتهاكات جسيمة عكست استخفافًا واضحًا بالاتفاق المبرم بوساطة تركية وعربية، وبرعاية أمريكية ودولية.
وكان آخر هذه الانتهاكات حملة إطلاق نار وقصف نفذها جيش الاحتلال في ساعة مبكرة من فجر أمس، في مشهد متكرر يعيد إلى الأذهان جرائم حرب الإبادة الجماعية التي طالت القطاع على مدار الأشهر الماضية.
ادعاءات مجهولة
وفي محاولة لتبرير هذه الحملة، زعم جيش الاحتلال إصابة أحد ضباط الاحتياط لديه بـ"جروح خطيرة"، خلال عملية نفذتها قوات من "لواء ألكسندروني (3)" شمالي قطاع غزة.
ولم يمضِ وقت طويل على صدور بيان مقتضب للجيش، اعتبر فيه إصابة الضابط "انتهاكًا" للاتفاق المثقل أصلًا بالخروقات الإسرائيلية، حتى شرع في قصفٍ استهدف مدنيين، وأسفر عن استشهاد 21 مواطنًا، بينهم 6 أطفال و6 نساء ومسعف، وفق معطيات رسمية.
وتشمل انتهاكات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار أيضًا عمليات النسف اليومية التي تستهدف ما تبقى من منازل وأحياء سكنية في شمالي وشرقي القطاع، إلى جانب التوسع في السيطرة على الأراضي عبر إزاحة مكعبات "الخط الأصفر" غربًا، ومنع إدخال كميات كافية من المساعدات الإنسانية.
وبينما حمَّل جيش الاحتلال غزة مسؤولية إصابة أحد ضباطه، لم تُعلن أي جهة فلسطينية مسؤوليتها عن إطلاق النار، ما يجعل من رواية الجيش مجرد ادعاء يندرج ضمن سلسلة من الحوادث المجهولة التي لم تُثبت مصداقيتها.
اتفاق من ورق
في هذا السياق، يرى مراقبون أن جيش الاحتلال يسعى إلى تحويل الحوادث المجهولة إلى مفاتيح لتفعيل عمليات الاستهداف والاغتيال، ضمن مساعيه لإبقاء اتفاق وقف إطلاق النار حبرًا على ورق.
ووفق معطيات صادرة عن جهات رسمية في غزة، ارتكب جيش الاحتلال نحو 1500 انتهاك للاتفاق، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 550 فلسطينيًا، وإصابة قرابة 1400 آخرين.
وقال الباحث في الشأن العسكري رامي أبو زبيدة إن "الاحتلال يستخدم نمطًا مألوفًا منذ سريان وقف النار، قائمًا على إعادة توظيف أحداث ميدانية متحكَّم بها ومُدارة إسرائيليًا داخل ما يُسمّى (الخط الأصفر)، كرافعة عملياتية واستخبارية تُستخدم لاحقًا لتبرير تصعيد موضعي أو تنفيذ ضربات مدروسة ضمن بنك أهداف مُحدَّث مسبقًا".
الباحث في الشأن العسكري رامي أبو زبيدة
وأوضح أبو زبيدة لـ "فلسطين أون لاين" أن إعلان جيش الاحتلال إصابة أحد ضباطه خلال اشتباك مع مسلحين يكشف حالة تهيئة ميدانية لتنفيذ عمليات استهداف واغتيال.
وأضاف: "التجارب السابقة تؤكد أن مثل هذه الوقائع تُستخدم لاحقًا لتفعيل بنك أهداف مُعد مسبقًا، يعتمد على تراكم معلومات ميدانية تشمل أماكن المبيت، وطرق التنقل، وسلاسل التواصل. أي أن الحدث قد يكون مجرد مفتاح تشغيل لعمليات استهداف أوسع، وليس سببها الحقيقي".
وتابع أن هذه المرحلة "تفرض ضرورة رفع مستوى الحيطة الأمنية لدى المقاومة، خصوصًا من خلال تقليل أنماط الحركة المتكررة، وتشديد أمن الاتصالات، وتغيير أماكن المبيت بشكل دوري، وتجنب التجمعات غير الضرورية".
ونبَّه إلى أهمية "التعامل مع الواقع الحالي باعتباره مرحلة صيد استخباري، يتحكم بها الاحتلال عبر استغلال الأحداث الميدانية لضرب بنك أهدافه، إذ يبني المشهد بهدوء، ويجمع المعطيات، ثم ينفذ في التوقيت الذي يراه مناسبًا عسكريًا وأمنيًا".
وعادةً ما تطال الغارات الإسرائيلية أهدافًا مدنية في مختلف أنحاء القطاع، ما يؤدي في الغالب إلى استشهاد وإصابة أطفال ونساء. ورغم استنكار الوسطاء لهذه الخروقات، التزم رئيس الإدارة الأمريكية دونالد ترامب، الذي يرأس مجلس السلام الدولي المعني بإنهاء الحرب على غزة، الصمت حيال الانتهاكات الإسرائيلية.
خروقات وتواطؤ
في المقابل، يرى المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي عمر جعارة أن إدارة ترامب تملك القدرة على إجبار الاحتلال على وقف خروقاته، مشيرًا إلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لا يجيد سوى التلاعب بالاتفاق ووسطائه ورعاته.
وفي تصريح لـ"فلسطين أون لاين"، استشهد جعارة بالحالة التي يعمل بها معبر رفح جنوب قطاع غزة، حيث أصر نتنياهو على استمرار إغلاقه، في حين مارست الولايات المتحدة ضغوطًا لفتحه التزامًا ببنود الاتفاق واستجابة للرغبة المصرية في تشغيل المعبر باتجاهين، منعًا لتهجير سكان غزة.
المحلل السياسي المختص بالشأن الإسرائيلي عمر جعارة
وأوضح أن الاحتلال، وحتى بعد قراره فتح المعبر، لم يلتزم بالأعداد المعلنة، إذ سمح بمرور 150 مسافرًا و50 عائدًا فقط، في صورة جديدة من التلاعب.
وعدَّ جعارة هذا السلوك محاولة من نتنياهو لـ"تحقيق أي سمة من سمات الانتصار".
وأضاف: "الحروب الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني تقوم على استراتيجيتين؛ إما القتل أو الطرد. حتى إن دافيد بن غوريون، أول رئيس لحكومة الاحتلال، عندما سُئل: من هو الفلسطيني الجيد؟ أجاب: (الميت)، وهذا ما يفعله نتنياهو اليوم، خصوصًا في ظل حكومة يغلب عليها الطابع اليميني المتطرف".
وفي المقابل، يرى جعارة أن الإدارة الأمريكية، رغم امتلاكها أدوات الضغط اللازمة، لم تستخدمها لإجبار نتنياهو على وقف انتهاكاته، لعلمه المسبق أن هذه الخروقات لن تثير غضب واشنطن، ما يمنح جيش الاحتلال هامشًا واسعًا للاستمرار فيها دون رادع.
ويُثير الاستغراب أيضًا أن خروقات الاحتلال لاتفاق وقف النار تحدث على مرأى مركز التنسيق المدني–العسكري، الذي أنشأته القيادة المركزية الأمريكية، وافتتح مقره في أكتوبر 2025 بقرية كريات جات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، والمكلَّف بمتابعة تنفيذ الاتفاق الموقَّع في مدينة شرم الشيخ.
فلسطين أون لاين