غرفة تتحدَّى الرُّكام .. حكاية معلِّمة أعادت للطُّفولة دفاترها

mainThumb
غرفة تتحدَّى الرُّكام... حكاية معلِّمة أعادت للطُّفولة دفاترها

10-02-2026 10:49 AM

printIcon

اخبار اليوم -  اتحت سقفٍ متصدّع تتسرّب منه قطرات المطر، يجلس أطفالٌ صغار على فراشٍ أرضي يخبّئون دفاترهم بأيديهم الصغيرة كي لا تبتلّ. وبالرغم من البرد ونقص الإمكانات، تتردّد في الغرفة أصوات الحروف الأولى، كأنها محاولة عنيدة لانتزاع الحياة من قلب الخراب.

في هذه المساحة الضيّقة من منزلٍ تضرّر بالقصف في مخيم الشاطئ، صنعت المعلمة منى السيسي روضةً بديلة، لتمنح أطفال الحي فرصة تعلّم حُرموا منها منذ اندلاع الحرب.


لم تكن الفكرة مشروعًا مخطّطًا بقدر ما كانت استجابة لنداء الجيران الذين رأوا في خبرتها الطويلة ملاذًا لأطفالهم. تقول السيسي: "لم يكن القبول سهلًا، فلا أملك أي إمكانات مادية لمكانٍ أو أثاثٍ مناسب، لكن شوقي لمهنتي وحاجة الأطفال دفعاني للمحاولة".



ومع عجزها عن استئجار مقر، لم تجد سوى غرفة في منزل أسرتها المتضرّر لتحويلها إلى صفّ دراسي صغير. غير أن الإقبال فاق توقّعاتها، واضطرت لاكتفاء بثلاثين طفلًا فقط لأن المكان لا يحتمل أكثر.

تشفق المعلمة على تلاميذها الذين يدرسون بلا مقاعد أو وسائل تعليمية كافية، فيما تتسلّل مياه المطر فوق رؤوسهم من شقوق السقف. ومع ذلك، لا يتغيّبون عن الدروس حتى في أقسى الظروف.



"الأطفال يشتاقون لمساحة مختلفة عمّا عاشوه في الخيام والنزوح وطوابير المياه… وجدوا طفولتهم بين الدفاتر والألوان"، تقول السيسي.

تحمل السيسي دبلوم تربية طفل، وعملت في رياض الأطفال نحو عشرين عامًا، قبل أن يدمّر الاحتلال الروضة التي كانت تعمل فيها. وخلال نزوحها إلى مواصي خان يونس، حوّلت خيمتها إلى روضة مصغّرة ضمّت خمسة عشر طفلًا، قبل أن تتوقف مع عودتها إلى غزة.

في مخيم الشاطئ، حيث طال الدمار المدارس ورياض الأطفال وأصاب العملية التعليمية بشللٍ شبه كامل، شعرت أن العودة للتعليم "أمانة" لا يمكن تأجيلها، رغم إدراكها أن الفاقد التعليمي أكبر من أن تعالجه مبادرة فردية.


وتوضح: "الأهالي يطالبون بتوسيع المبادرة لتشمل الصفوف الثلاثة الأولى، لكن ذلك مستحيل في ظل انعدام الإمكانات".

حتى أدوات التعليم جاءت من بقايا الحرب؛ فالسبورة نجت من قصفٍ دمّر مركزًا تعليميًا كانت تملكه صديقة لها، فيما يعجز كثير من الأهالي عن توفير القرطاسية لأطفالهم. لذلك توجّه السيسي نداءً للمبادرين والجمعيات الخيرية لدعم الروضة بما تحتاجه للاستمرار.



ورغم كل ما يحيط بالمكان من فقرٍ وخراب، يبقى المشهد الأوضح هو إصرار الأطفال على التعلّم، وإصرار معلمتهم على أن تظل الحروف الأولى حيّة.

في غرفةٍ صغيرة تقاوم المطر والركام، تتشكّل حكاية أخرى من حكايات غزة… حيث يصبح التعليم فعل نجاة، وتغدو الطفولة درسًا في الصمود.

 فلسطين أون لاين