أخبار اليوم - أثار التعميم المتعلق بتشديد صرف المضادات الحيوية، وربطها بإجراءات وضوابط طبية أكثر صرامة، نقاشًا واسعًا في الأوساط الصحية والاجتماعية، خصوصًا مع اقتراب موعد تطبيقه. وبين هدف الحد من الاستخدام العشوائي للأدوية، ومخاوف المواطنين من ارتفاع كلفة العلاج، يبرز تساؤل جديد: هل يدفع القرار إلى سلوك استباقي يتمثل في تخزين المضادات الحيوية قبل سريانه؟
المضادات الحيوية كانت لسنوات طويلة جزءًا من ثقافة العلاج اليومية، إذ يلجأ إليها كثيرون عند أول أعراض التهاب أو نزلة برد، سواء بوصفة طبية أو دونها. هذا النمط من الاستخدام خلق واقعًا دوائيًا واسع الانتشار، لكنه في الوقت ذاته ساهم في تفاقم مشكلة مقاومة البكتيريا، وهي مشكلة صحية تحذر منها المؤسسات الطبية عالميًا.
غير أن الجدل الحالي لا يتركز فقط على البعد الطبي، بل يمتد إلى البعد الاقتصادي. فربط صرف المضاد الحيوي بزيارة طبيب وإجراء فحوصات مخبرية يعني عمليًا زيادة في كلفة العلاج، خصوصًا في القطاع الخاص، حيث قد تصل الكشوفات إلى أرقام مرتفعة بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود. ومع وجود أكثر من طفل في بعض الأسر، تتحول أي وعكة صحية بسيطة إلى معادلة مالية معقدة.
هذا الواقع يفتح الباب أمام احتمال آخر: اندفاع بعض المواطنين نحو شراء المضادات الحيوية وتخزينها قبل بدء التطبيق الفعلي للقرار، بدافع القلق من صعوبة الحصول عليها لاحقًا أو ارتفاع الكلفة الإجمالية للعلاج. مثل هذا السلوك شهدته أسواق أخرى في حالات تنظيم مشابهة، حيث يتحول الخوف من التقييد إلى موجة شراء مسبقة.
الخبراء الصحيون يحذرون من هذا التوجه، لأن تخزين المضادات الحيوية دون إشراف طبي لا يضمن استخدامها في الوقت المناسب أو بالجرعة الصحيحة، كما أن الاحتفاظ بها لفترات طويلة قد يؤدي إلى استعمال أدوية منتهية الصلاحية أو غير ملائمة للحالة المرضية. كما أن الاستخدام غير المنضبط يعمّق المشكلة التي يسعى القرار أساسًا إلى معالجتها، وهي مقاومة البكتيريا للمضادات.
من جهة أخرى، يطرح نقاش حول آلية التطبيق ومدى شمولها. فهل سيتم ضبط صرف المضادات الحيوية في جميع القطاعات الصحية بنفس المعايير؟ وهل سيجري توحيد الإجراءات بين المراكز الصحية الحكومية والقطاع الخاص؟ هذه الأسئلة تتعلق بثقة المواطن بآلية التنفيذ، لأن أي تفاوت في التطبيق قد يعزز الشعور بعدم العدالة.
القرار يأتي في سياق توجه عام نحو تنظيم سوق الدواء وضبط الاستخدام، لكن نجاحه يتوقف على وضوح الرسائل المرافقة له، ومدى قدرة الجهات المعنية على طمأنة المواطنين بأن الهدف صحي بحت، وليس إضافة أعباء مالية جديدة.
ويبقى المشهد مفتوحًا على احتمالين: إما التزام تدريجي بالضوابط الجديدة مع حملات توعية فعالة، أو اندفاع مؤقت نحو التخزين قبل بدء التنفيذ، بما قد يخلق ضغطًا إضافيًا على الصيدليات وسوق الدواء في مرحلة انتقالية حساسة.