الإجهاض لا يزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي

mainThumb
الإجهاض لا يزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي

17-02-2026 01:29 PM

printIcon

أخبار اليوم - أظهرت دراسة علمية واسعة النطاق استندت إلى بيانات السجلات الوطنية في فنلندا أن الإجهاض السابق، سواء كان متعمداً أو نتيجة إجهاض تلقائي، لا يرتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض سرطان الثدي، سواء قبل سن اليأس أو بعده.


ونشرت نتائج الدراسة في مجلة علمية متخصصة في طب النساء والتوليد، في خطوة تهدف إلى حسم جدل استمر سنوات طويلة، وأثار المخاوف لدى كثير من النساء حول العالم.

واعتمد الباحثون في هذه الدراسة على تحليل بيانات 31 ألفاً و687 امرأة جرى تشخيص إصابتهن بسرطان الثدي خلال الفترة الممتدة بين عامي 1972 و2021، إضافة إلى مقارنة أوضاعهن الصحية مع 158 ألفاً و433 امرأة لم تشخص لديهن الإصابة بالمرض.

ويعد هذا الحجم الكبير من المشاركات، الممتد على نحو خمسة عقود، من أبرز نقاط القوة في الدراسة، إذ يمنحها قدرة إحصائية عالية على الكشف عن أي فروق محتملة في معدلات الخطر بين المجموعات المختلفة.


الإجهاض التلقائي

وخلصت النتائج إلى أن خطر الإصابة بسرطان الثدي كان متشابها بين النساء اللواتي لديهن تاريخ سابق من الإجهاض المتعمد والنساء اللواتي لم يخضعن لأي إجهاض، سواء قبل سن الخمسين أو بعده، وهو العمر الذي يستخدم عادة كفاصل تقريبي بين ما قبل انقطاع الطمث وما بعده.

كما لم يظهر أي اختلاف يذكر في معدلات الإصابة بين النساء اللواتي تعرضن لإجهاض تلقائي سابق، وبين اللواتي لم يتعرضن لذلك.


ولم تقتصر الدراسة على المقارنة العامة فحسب، بل فحصت أيضاً ما إذا كان عدد مرات الإجهاض، سواء المتعمد أو التلقائي، يؤثر في مستوى الخطر، وكذلك ما إذا كان توقيت أول إجهاض يلعب دوراً في ذلك.


وأظهرت التحليلات أن مخاطر سرطان الثدي لم تختلف بشكل ملحوظ تبعاً لعدد مرات الإجهاض أو الإجهاضات التلقائية، كما لم يتبين أن توقيت أول تجربة من هذا النوع له تأثير يذكر في احتمالية الإصابة بالمرض لاحقاً.


ويعد سرطان الثدي من أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء على مستوى العالم، وقد ارتبطت به عبر العقود عوامل خطر متعددة، من بينها العوامل الوراثية، والعمر، ونمط الحياة، والتاريخ الإنجابي، مثل سن البلوغ، وعدد مرات الحمل، وسن انقطاع الطمث.


وفي هذا السياق، برزت تساؤلات متكررة حول ما إذا كان إنهاء الحمل، سواء بشكل متعمد أو نتيجة فقدان الحمل تلقائياً، قد يؤثر في التغيرات الهرمونية المرتبطة بأنسجة الثدي، وبالتالي يزيد من خطر الإصابة بالسرطان.


وكانت بعض الدراسات القديمة، خاصة تلك التي اعتمدت على استبيانات ذاتية أو عينات محدودة، قد أثارت شكوكاً حول احتمال وجود علاقة، إلا أن أبحاثاً لاحقة، خصوصاً تلك القائمة على سجلات وطنية شاملة، لم تجد دليلاً يدعم هذا الارتباط، وتعد الدراسة الفنلندية الجديدة من بين أكثر الدراسات شمولاً من حيث عدد المشاركات وطول فترة المتابعة، ما يعزز موثوقية نتائجها.


وقال المؤلف الرئيسي أوسكاري هيكينهيمو، الباحث في جامعة هلسنكي، إن مسألة اعتبار الإجهاض التلقائي أو المتعمد عامل خطر محتمل للإصابة بسرطان الثدي ظلت تثير القلق وتستخدم أحيانا في نشر معلومات مضللة.


وأضاف أن استخدام بيانات عالية الجودة من السجلات الوطنية الفنلندية مكن الفريق من تبديد هذه المخاوف بصورة موثوقة، مؤكداً أن الإجهاض، حتى لو تكرر أكثر من مرة، لا يعد عامل خطر للإصابة بسرطان الثدي.


ويتميز النظام الصحي في فنلندا بوجود سجلات وطنية دقيقة وشاملة تغطي التشخيصات الطبية والإجراءات العلاجية على مستوى السكان، ما يسمح بإجراء دراسات وبائية واسعة النطاق مع تقليل احتمالات التحيز الناتج عن النسيان أو عدم الدقة في الإبلاغ.

وفي هذه الدراسة، جرى الربط بين سجلات السرطان وسجلات الحمل والإجراءات الطبية، الأمر الذي أتاح للباحثين تتبع التاريخ الإنجابي للنساء بدقة ومقارنته بمعدلات الإصابة بالسرطان.



الربط بين الإجهاض وسرطان الثدي

ويرى خبراء أن أهمية هذه النتائج لا تقتصر على الجانب العلمي، بل تمتد إلى البعد المجتمعي والنفسي، إذ إن الربط بين الإجهاض وسرطان الثدي استخدم في بعض السياقات كأداة لإثارة الخوف أو التأثير في قرارات النساء، وتوفر النتائج الحالية أساساً علمياً قوياً يمكن أن يسهم في تصحيح المفاهيم الخاطئة، وتقديم معلومات دقيقة تستند إلى بيانات موثوقة.

ومن الناحية البيولوجية، يوضح مختصون أن تطور سرطان الثدي عملية معقدة تتأثر بتفاعل عوامل متعددة، تشمل الطفرات الجينية، والتعرض طويل الأمد لبعض الهرمونات، والعوامل البيئية.


ولا تشير الأدلة المتراكمة إلى أن إنهاء الحمل، سواء كان مبكراً أو متأخراً، يؤدي إلى تغييرات دائمة في أنسجة الثدي من شأنها زيادة احتمالية التحول السرطاني، كما أن الحمل الكامل نفسه يرتبط بتأثيرات معقدة قد تقلل الخطر على المدى الطويل رغم زيادة طفيفة مؤقتة في السنوات الأولى بعد الولادة، وهي تفاصيل دقيقة لا يمكن اختزالها في فرضية بسيطة تربط حدثاً واحداً بمسار مرضي معقد.


ويشير الباحثون إلى أن النتائج كانت متسقة عبر الفئات العمرية المختلفة، سواء قبل سن اليأس أو بعده، ما يعزز الاستنتاج العام بعدم وجود علاقة سببية بين الإجهاض وسرطان الثدي.


كما أن عدم وجود اختلاف في الخطر بحسب عدد مرات الإجهاض، أو توقيت أول إجهاض يدعم الفكرة القائلة إن هذه العوامل لا تلعب دوراً جوهرياً في مسار تطور المرض.

وفي ظل استمرار انتشار المعلومات الصحية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يؤكد مختصون أهمية الرجوع إلى الدراسات العلمية واسعة النطاق والمراجعة من قبل الخبراء عند تقييم الادعاءات المتعلقة بالمخاطر الصحية.


وتعد الدراسات المعتمدة على السجلات الوطنية، مثل الدراسة الفنلندية، من بين أكثر التصاميم البحثية قدرة على تقديم إجابات دقيقة في القضايا التي تهم الصحة العامة.


ويرى "هيكينهيمو" أن الرسالة الأساسية التي تحملها هذه الدراسة تتمثل في الطمأنة، مشيراً إلى أن ملايين النساء حول العالم مررن بتجربة الإجهاض، سواء المتعمد أو التلقائي.


وأضاف أن تقديم معلومات قائمة على الأدلة يسهم في دعم اتخاذ قرارات صحية مبنية على العلم، بعيداً عن القلق غير المبرر.


ومع أن الدراسة ركزت على السكان في فنلندا، فإن حجم العينة الكبير وطول فترة المتابعة يعززان إمكانية تعميم النتائج على نطاق أوسع، خاصة في الدول ذات الخصائص السكانية المماثلة، ومع ذلك، يشير الباحثون إلى أن الاستمرار في دراسة عوامل خطر سرطان الثدي يظل ضرورياً، لا سيما في ضوء التغيرات المستمرة في أنماط الحياة والخصائص الإنجابية للنساء حول العالم.


تقدم الدراسة دليلاً إضافياً قوياً على أن الإجهاض، لا يزيد من خطر الإصابة بسرطان الثدي، سواء قبل سن اليأس أو بعده، وبينما يظل المرض تحدياً صحياً كبيراً يتطلب جهوداً مستمرة في مجالات الوقاية والكشف المبكر والعلاج، فإن إزالة أحد المخاوف الشائعة المرتبطة بعوامل الخطر المحتملة يمثل خطوة مهمة نحو توفير معلومات دقيقة وواضحة للنساء، وتمكينهن من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن صحتهن الإنجابية دون خوف من عواقب غير مثبتة علمياً.