أخبار اليوم – تالا الفقيه - قال الخبير التربوي نور الدين نديم إن الحديث الرسمي المتكرر عن تطوير المناهج، والتحول الرقمي، وتحديث البيئة التعليمية، يبقى منقوصًا ما لم يُلتفت إلى قضية صامتة شديدة التأثير تتمثل في معاناة معلمات الصف في المدارس الحكومية التابعة لوزارة التربية والتعليم، مؤكدًا أن المرحلة الأساسية الدنيا تُعد حجر الأساس في تشكيل شخصية الطالب أكاديميًا وسلوكيًا، ومع ذلك تُترك معلمة الصف وحدها في مواجهة تحديات مركبة تتجاوز حدود التدريس التقليدي.
وأوضح نديم أن معلمة الصف في المراحل الثلاث الأولى لا تدرّس مادة واحدة، بل تتولى تدريس معظم أو جميع المواد الأساسية، ويصل نصابها إلى ثلاثين حصة أسبوعيًا، إضافة إلى الأعباء الإدارية والضغط النفسي، مبينًا أنها تؤدي أدوارًا متعددة تتجاوز كونها معلمة، فهي مربية ومرشدة نفسية وضابطة إيقاع سلوكي وحلقة وصل مع أولياء الأمور، في ظل غياب تخفيف حقيقي للأعباء أو توفير دعم إداري ونفسي كافٍ.
وأشار إلى أن بعض المعلمات يتحملن أعدادًا كبيرة من الطلبة داخل الغرفة الصفية قد تصل إلى أربعين أو خمسين طالبًا، خاصة في المناطق المكتظة والمدن الرئيسية التي تضطر لاعتماد نظام الفترتين، معتبرًا أن ذلك ينعكس سلبًا على جودة العطاء والمخرجات التعليمية، لأن تقليص زمن الحصة يؤثر على المتابعة الفردية وتوزيع الاهتمام.
وأكد نديم أن معلمة الصف عنصر بشري يحتاج إلى تمكين ودعم نفسي وتفويض في الصلاحيات وتخفيف في الأعباء الإدارية، إضافة إلى توفير مساحات للاستراحة وإعادة شحن الذات وإعداد الخطط العلاجية ومتابعة الطلبة الذين يعانون من صعوبات تعليمية، مشددًا على أن المرحلة الأساسية الأولى ليست مجرد محتوى دراسي، بل مرحلة تأسيس في القراءة والكتابة والحساب وتشكيل الاتجاهات نحو المستقبل، وأي خلل فيها ينعكس على المسار التعليمي لاحقًا.
وبيّن أن الخطاب التربوي الذي يرفع سقف التوقعات حول التعلم النشط ودمج التكنولوجيا والتقويم البديل قد يكون منفصلًا عن واقع الميدان الذي لا تتوافر فيه دائمًا الوسائل والإمكانات الكافية، داعيًا إلى الانتقال من النقد إلى تقديم مقترحات عملية، من بينها التوسع في بناء المدارس خاصة في مناطق الاكتظاظ، وتعزيز ثقافة الوقف التعليمي، وتعيين مساعدي معلمات داخل الغرف الصفية بما يسهم أيضًا في معالجة البطالة، وإعادة النظر في الأنصبة والمهام الإدارية، وزيادة الكادر المتخصص في الجوانب الإدارية.
كما دعا إلى توفير برامج دعم نفسي ومهني مستدام للمعلمات، وتخصيص حوافز مادية ومعنوية تعكس أهمية الدور الذي يقمن به، مؤكدًا أن أي مشروع وطني للنهوض بالتعليم لن ينجح دون الاهتمام بالحَلَقة الأهم في تشكيل وعي الأجيال، وهي معلمة الصف، التي تقوم بدور المعماري الأول لشخصية الطالب منذ الطفولة المبكرة، وأن إرهاق هذا المعمار ينعكس بالضرورة على متانة البناء التعليمي في المستقبل.