أخبار اليوم - من أبرز المظاهر الرمضانية التقليدية في عدد من الدول العربية والإسلامية، ظهر منذ قرون مضت، واستُخدم للإعلان عن حلول وقت الإفطار مع غروب الشمس في أيام شهر رمضان المبارك.
تعددت الروايات بشأن ظهوره الأول بين عصور مختلفة، قبل أن يتحول إلى ممارسة رسمية في بعض الدول، وينتشر في مدن ومراكز حضرية كبرى، ويصبح جزءا من التقاليد الرمضانية المرتبطة بتنظيم أوقات الصيام وتعزيز الأجواء الاحتفالية بالشهر الكريم.
الظهور الأول
تعددت الروايات حول تأريخ أول ظهور لعادة مدفع الإفطار في شهر رمضان، لكن معظمها أجمع على أن فكرته نشأت من كونها إشارة صوتية لتحديد وقت الإفطار والسحور.
تشير إحدى الروايات إلى أن التقليد بدأ في القرن الخامس عشر بالقاهرة أثناء حكم السلطان المملوكي سيف الدين خشقدم (1460-1467). ووفقا لهذه الرواية، أُطلق المدفع بالصدفة عند غروب الشمس في أول يوم من رمضان أثناء توافد العلماء وأهالي المدينة على قصر السلطان لتناول الإفطار، فظن الناس أن إطلاق المدفع كان مقصودا للإشارة إلى وقت الإفطار. عندئذ، أعجبت السلطان الفكرة وأصدر أوامره بإطلاقه يوميا طوال شهر رمضان.
وفي رواية أخرى، لعبت الصدفة أيضا دورا مهما في انتشار التقليد أثناء حكم والي مصر محمد علي باشا (1805-1848)، حين انطلقت إحدى القذائف أثناء تجربة مدافع مستوردة وقت أذان المغرب في رمضان، فأسعد ذلك الناس، واعتمد لاحقا للتنبيه إلى أوقات الإفطار والسحور.
كما تُنسب رواية ثالثة إلى فترة حكم الخديوي إسماعيل (1863-1879)، حين كان بعض الجنود ينظفون مدفعا فانطلقت منه قذيفة وقت أذان المغرب، وعندما علمت ابنة الخديوي بذلك طلبت من والدها استخدام المدفع للإشارة إلى الإفطار والإمساك والأعياد الرسمية.
حينها وُضع المدفع على جبل المقطم ليصل صوته إلى أبعد مكان في القاهرة، وكان يُنقل قبل بداية رمضان على عربة ضخمة من القلعة ويُعاد إلى المخازن بعد انتهاء الاحتفالات.
وإلى جانب هذه الروايات، تذكر بعض المصادر أن التقليد يعود إلى عهد عباس الأكبر شاه الدولة الصفوية (1587-1629)، فقد استُخدم المدفع للإعلان عن الإفطار، وكذلك للإشارة إلى اللحظات الأخيرة قبل السحور.
وفي العهد العثماني، أكدت السجلات أن عادة إطلاق مدفع الإفطار أصبحت رسمية في أوائل القرن التاسع عشر، فقد جرى توثيق أول إطلاق موثق للمدفع في رمضان عام 1821 من حصن أنادولو هيصاري، وبحلول عام 1827 شملت هذه العادة أيضا حصن يديكوله، مع استخدام المدافع والرصاص في الأماكن التي لا تتوفر فيها الحصون.
وأصبح إطلاق المدفع مهمة رسمية تنفذها وحدات مدفعية مدربة، وتحول إلى طقس رمضاني معترف به من الدولة العثمانية.
وعلى الرغم من تعدد الروايات واختلاف تفاصيلها، إلا أن أكثرها يؤكد أن هذه العادة نشأت بالصدفة، وأن مدفع الإفطار بات جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاحتفالية ورمزا للتواصل الاجتماعي والاحتفال الرمضاني في العالم الإسلامي.
الانتشار
انتشرت عادة مدفع الإفطار في العديد من الدول العربية والإسلامية، لتتحول تدريجيا إلى جزء أصيل من المشهد الرمضاني في المدن الكبرى.
فبعد انتشارها في بلاد الشام، وصلت إلى بغداد في أواخر القرن التاسع عشر، ثم امتدت إلى دول الخليج العربي واليمن والسودان، إضافة إلى دول شمال وغرب أفريقيا.
وفي دول الخليج، شكّل المدفع أداة صوتية لضبط توقيت الإفطار، وتتولى فرق متخصصة مهمة إطلاقه وفق توقيت محدد وتحت إشراف الجهات المسؤولة، لضمان الانضباط والسلامة.
وفي سراييفو كما هي الحال في مدن البوسنة والهرسك الأخرى، يرتدي المكلف بإطلاق المدفع الملابس التقليدية والطربوش، ليطلق المدفع عند وقت الإفطار في كل يوم من أيام رمضان.
تقليد احتفالي
يتجاوز مدفع الإفطار كونه إشارة زمنية على موعد إفطار الصائمين، ليصبح رمزا ثقافيا واجتماعيا يعكس التراث الإسلامي ويجمع بين الماضي والحاضر، ويعزز شعور الانتماء ويخلق لحظات اجتماعية مشتركة، حين يتجمع الناس للاستماع إلى دوي المدفع وبدء الإفطار معا.
وقد بات المدفع رمزا للاحتفال ودخول مواسم الفرح، لذلك تطلقه بعض الدول عدة مرات عند ثبوت رؤية الهلال ودخول شهر رمضان، كما تطلقه عدة مرات أيضا عند طلوع هلال العيد.
كما يسهم في توحيد أوقات الصيام في المدن الكبرى ويحافظ على التقاليد الرمضانية، مع جذب الزوار والاهتمام بالتراث الشعبي.
مواقع إلكترونية