أخبار اليوم - سجل قطاع الإنشاءات بالعام الماضي 2025 نموا واضحا، تجسد في الزيادة الملحوظة للمساحات المرخصة للبناء بوتيرة تفوق نمو عدد رخص الأبنية، ما يشير إلى توسع مساحة البناء للرخصة الواحدة مقارنة مع 2024.
ويعكس هذا التطور تحولا نوعيا في نشاط القطاع، لا سيما مع تسارع نمو الأبنية غير السكنية، بما يعد مؤشرا مباشرا على تحسن الأداء الاقتصادي وارتفاع مستويات الاستثمار الصناعي والتجاري، وتعاظم دور قطاع الإنشاءات كرافعة أساسية للنمو في الاقتصاد الوطني.
وأكد خبراء بالشأن الاقتصادي أن الارتفاع الملحوظ في عدد رخص الأبنية ومساحات البناء المرخصة خلال 2025 يشكل مؤشرا رياديا متقدما على تحسن الدورة الاقتصادية وتعافي النشاط الاستثماري في المملكة، إذ يعكس توسعا في حجم المشاريع نحو استثمارات أكبر وأكثر تنظيما.
وقالوا لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن تسارع نمو المساحات المرخصة، لا سيما غير السكنية منها، يمنح قطاع البناء بعدا اقتصاديا واستثماريا أعمق، باعتباره من أبرز القطاعات قدرة على تحفيز سلاسل توريد واسعة وخلق أثر مضاعف يمتد إلى الناتج المحلي الإجمالي وسوق العمل.
وارتفعت مساحات الأبنية المرخصة في المملكة خلال 2025 بنسبة 13.6 بالمئة، كما زاد عدد رخص الأبنية الصادرة بنسبة 11.8 بالمئة مقارنة مع 2024.
وسجلت المساحات المرخصة للأغراض السكنية نموا بنسبة 12.5 بالمئة، في حين ارتفعت مساحة الأبنية المرخصة للأغراض غير السكنية بنسبة 17.3 بالمئة.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور نوح الشياب، إن بيانات دائرة الإحصاءات العامة حول ارتفاع رخص الأبنية ومساحات البناء المرخصة خلال 2025، تعكس مؤشرا إيجابيا على تحسن النشاط الاقتصادي في المملكة.
وأضاف إن الزيادة الملحوظة في المساحات المرخصة مقارنة بعدد الرخص تدل على التوجه نحو مشاريع أكبر حجما وأكثر تنظيما، ما يعكس تحسن ثقة المستثمرين واستقرار بيئة الأعمال.
وأوضح أن هذا التطور يكتسب أهمية خاصة في ظل الدور المحوري الذي يلعبه قطاع البناء في الاقتصاد الوطني، باعتباره من القطاعات ذات الروابط الواسعة مع الصناعة والتجارة والخدمات المالية والهندسية.
وأكد أن نمو النشاط العمراني لا يقتصر أثره على القطاع ذاته، بل يمتد ليحفز سلسلة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة، بما يدعم مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة المقبلة.
ورأى أنه من المتوقع أن ينعكس هذا التوسع إيجابا على سوق العمل، من خلال خلق فرص تشغيل مباشرة في المهن الإنشائية والفنية، وفرص غير مباشرة في القطاعات المساندة.
وأشار الشياب، إلى أن الزيادة في تراخيص البناء 2025 تعد مؤشرا على تحسن الدورة الاستثمارية، ما يمثل فرصة لتعزيز النمو الاقتصادي، شريطة أن تتم إدارة التوسع العمراني ضمن سياسات متوازنة تضمن الاستدامة والتنمية المتوازنة بين المحافظات.
بدوره، قال الباحث الاقتصادي الدكتور أحمد المجالي، إن التسارع في عدد رخص الأبنية والمساحات المرخصة يعد أحد المؤشرات الريادية المهمة في الاقتصاد الوطني، لما يحمله من آثار إيجابية حقيقية أخرى اسمية.
وعلى الصعيد الحقيقي، بين أن نشاط البناء يرتبط بسلاسل توريد واسعة وعالية القيمة تشمل مواد البناء والنقل والخدمات الهندسية والتشطيبات، ما يرفع الطلب الكلي ويعزز ديناميكية الدورة الاقتصادية.
وأشار الى أن هذا القطاع يتميز بكثافة تشغيلية مرتفعة، إذ تتحول الرخص بمجرد بدء التنفيذ إلى طلب فعلي على خدمات المقاولات والعمالة والمواد، بما يخلق زخما مضاعفا عبر القطاعات المرتبطة.
ولفت إلى أن ارتفاع رخص الأبنية لا يترجم فورا إلى ناتج إنشائي في السنة ذاتها، لأنها تسبق التنفيذ بفترة زمنية قد تمتد إلى عدة أشهر، لذلك، فإن ارتفاع الرخص في 2025 يتوقع أن يمتد أثره الى 2026 أكثر من انعكاسها الكامل داخل حسابات الناتج في 2025.
وعلى الصعيد الاسمي، أوضح أن الزيادة في المساحات المرخصة وعدد الرخص تعد مؤشرا على تحسن التوقعات بشأن المعروض العقاري، لا سيما السكني، بما يدعم توازن السوق ويرجح أن ينعكس على أسعار الوحدات السكنية إما بالاستقرار أو بالانخفاض، ما يحسن قدرة الأسر على الحصول على السكن الملائم.
وفي جانب سوق العمل، بين المجالي أنه من المرجح أن يقود هذا المسار إلى ارتفاع الطلب على العمالة الحرفية كالنجارة والحدادة والأعمال الكهربائية والتمديدات والتشطيبات، بما يساعد على امتصاص جزء من فائض العرض العمالي ويخفف من البطالة، مشيرا إلى أن الأثر على التشغيل أكثر وضوحا لدى الذكور والشباب مقارنة بالإناث وحملة الشهادات الجامعية، نظرا لطبيعة القطاع التي تميل إلى المهن الفنية.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش، إن الارتفاع الملحوظ في مساحات الأبنية المرخصة لا يعكس فقط زيادة في عدد المشاريع، بل يشير كذلك إلى نمو في متوسط حجم هذه المشاريع لكل رخصة.
وأضاف "يفسر هذا النمو عادة كدلالة على عدة اعتبارات، منها التوجه نحو تطوير وحدات سكنية أو مبان ذات طوابق متعددة ضمن الرخصة الواحدة، أو تحول نسبي نحو مشاريع ذات تكلفة أعلى لكل رخصة، أو تحسن في القدرة التمويلية لدى قطاع من المطورين مقارنة بـ 2024".
وأشار إلى أن النمو الملحوظ في المساحات غير السكنية بنسبة 17.3 بالمئة، مقارنة بنسبة 12.5 بالمئة للمساحات السكنية، يشير إلى أن جزءا من هذا الزخم لا يقتصر على القطاع السكني فحسب، بل يرتبط أيضا بالتوسع التجاري أو الصناعي أو الخدمي، وعادة ما يكون هذا النوع من النمو أكثر ارتباطا بدورة الاستثمار والنشاط الاقتصادي العام، وأكثر التصاقا بالدورة الاقتصادية من كونه مجرد طلب سكاني.
وفيما يتعلق بالأثر على الناتج المحلي الإجمالي، أوضح أن رخص البناء تعد مؤشرا مهما ومتقدما لقطاع الإنشاءات، إذ تعطي فكرة عن النشاط الذي سيظهر لاحقا في الناتج المحلي الإجمالي، عبر عدة قنوات رئيسية أبرزها: زيادة القيمة المضافة لقطاع الإنشاءات نفسه مع بدء التنفيذ وصرف الكلف الفعلية، إلى جانب تحريك قطاعات مرتبطة بقطاع الإنشاءات كمواد البناء والنقل والخدمات الهندسية والعقارية والتجهيزات المختلفة.
وبين أن القطاع يحرك ما بين 35- 40 قطاعا مرتبطا بشكل مباشر أو غير مباشر بالعقارات، فضلا عن وجود أثر مضاعف على الاستهلاك والدخل في المناطق التي يتوسع فيها النشاط العقاري.
وأكد أن ارتفاع المساحات المرخصة بنسبة تتراوح بين 13-16 بالمئة لا يترجم تلقائيا إلى نمو مماثل في ناتج قطاع الإنشاءات، إذ أن جزءا من الرخص قد يتأخر تنفيذه أو ينفذ على مراحل، كما أن الناتج المحلي الإجمالي يقاس بالقيمة المضافة وقد يتأثر بتغير الأسعار وتكاليف المدخلات.
وبين أن الارتفاع المستمر في المساحات على أساس شهري، مثل الزيادة الملحوظة المسجلة في كانون الأول 2025 مقارنة بكانون الأول 2024، يعزز من احتمالية استمرار هذا الزخم حتى 2026، بشرط أن تبقى شروط التمويل ضمن مستوياتها الحالية أو تتراجع، وألا تشهد التكاليف ارتفاعا حادا.
وعن الأثر على سوق العمل، أوضح عايش أن هذا الأثر يكون عادة أسرع من الأثر على الناتج المحلي، إذ تستوعب مواقع البناء والعقار الجديد عمالة مباشرة بمجرد بدء التنفيذ، لا سيما إذا تحولت نسبة جيدة من الرخص إلى مشاريع فعلية، ما يعني ارتفاع الطلب على عمالة البناء والحدادة والنجارة والكهرباء والتمديدات الصحية وأعمال التشطيب، إضافة إلى زيادة فرص العمل غير المباشر في النقل ومواد البناء والمكاتب الهندسية وغيرها، وبالتالي تحسن دخل شريحة من العاملين في المقاولات وارتفاع قدرتهم الشرائية والإنفاقية، وكذلك في المناطق التي يزداد فيها النشاط العقاري.
وأشار إلى أن حجم التأثير الفعلي يتحدد بعاملين رئيسيين، هما سرعة التحول من الرخصة إلى التنفيذ، وقدرة السوق على توفير عمالة ماهرة دون ضغط كبير على الأجور وتكاليف المشاريع.
ولفت إلى أن ارتفاع متوسط المساحة لكل رخصة يعني مشاريع أعلى من حيث الإضافات والكلف المرتبطة بها، ثم طلبا أكبر على التمويل ومزيدا من المواد اللازمة للعقارات.
وأكد عايش، أن هذه المؤشرات تعكس ديناميكية عقارية ذات أبعاد اقتصادية واستثمارية ومالية وإنفاقية، ما يشير إلى أن قطاع العقارات يتجه ليصبح محركا أساسيا للنمو الاقتصادي، لا سيما مع بدء الأنشطة والخطوات التنفيذية لمشروع مدينة عمرة.
بترا