اخبار اليوم - حين يركض طفل خليل دردونة نحوه فاتحًا ذراعيه، يتجمد الأب الأربعيني في مكانه. لم يعد قادرًا على فعل ما كان بديهيًا يومًا ما: أن يحمله ويضمه إلى صدره. هكذا تحولت لحظة الفرح اليومية في حياة هذا الأب إلى جرح مفتوح، منذ أن بترت الحرب الإسرائيلية ساقه، وسلبته جزءًا من ذاكرته، وتركته يصارع ألمًا جسديًا ونفسيًا لا يغيب.
يعيش دردونة، وهو أب لخمسة أبناء، اليوم قصة تختصر معاناة آلاف الجرحى في قطاع غزة، بعد أن انقسمت حياته إلى مرحلتين: ما قبل الحرب وما بعدها. فالأب الذي انتظر اثني عشر عامًا حتى يرزق بأطفاله، وجد نفسه فجأة عاجزًا عن احتضانهم أو مرافقتهم كما كان يفعل كل يوم.
منذ الأيام الأولى للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، اضطر دردونة للنزوح من منزله الواقع شرق شارع صلاح الدين، حاملاً أطفاله وبعض ما استطاع جمعه من حاجيات، متوجهًا مع عائلته إلى منزل أقاربه في جباليا النزلة، بحثًا عن مكان أكثر أمانًا. لكن الحرب – كما يقول – لم تترك مكانًا آمنًا.
يتذكر تلك الليلة التي غيّرت حياته للأبد قائلاً لصحيفة "فلسطين": "في 18 نوفمبر 2023 كان القصف لا يتوقف. منذ صلاة المغرب حتى السابعة صباحًا، كانت الانفجارات تهز المكان بلا توقف، وكأن الليل لن ينتهي".
ويضيف: "بعد ساعات طويلة من القصف، ساد هدوء قصير لنحو ربع ساعة. ظننا أن الأمور هدأت قليلًا، فخرجنا لنطمئن على الجيران ونساعد في إسعاف الجرحى ونقل الشهداء". لكن ذلك الهدوء كان خادعًا.
يقول: "فجأة عادت الدبابات تقصف المنطقة باتجاه المواطنين، وسقطت قذيفة بالقرب مني مباشرة… بعدها لم أشعر بشيء، فقدت الوعي في اللحظة نفسها".
حين استعاد وعيه لاحقًا، لم يكن يعرف ما الذي حدث لجسده. فقد أصيب بشظايا وحروق في أنحاء متفرقة، لكن الإصابة الأخطر كانت بتر ساقه اليمنى من فوق الركبة، فيما تعرضت يده اليسرى لتمزق شديد في العضلات حتى كاد العظم يظهر منها.
ولم تتوقف معاناته عند الإصابة. فبعد أربعة أيام فقط من وجوده في المستشفى الإندونيسي شمال غزة، اقتحم جنود الاحتلال المستشفى.
يروي دردونة: "أيقظوني من النوم لأخذ بصمة عيني. كانوا يحققون مع المرضى والمرافقين، وبعدها أصبح المستشفى بلا أطباء ولا ممرضين ولا أدوية… كنا جرحى بلا علاج".
كانت الصدمة قاسية إلى حد أن ذاكرته اختفت لثلاثة أشهر كاملة. كانت عائلته تحيط به، لكنه لم يتعرف إلى أحد منهم.
يقول: "كانوا يضعون ابني الصغير في حضني، لكنني لم أكن أعرفه. لم أتذكر ما حدث لي، ولم أكن مدركًا لإصابتي بالكامل".
ومع مرور الوقت، بدأت ذاكرته تعود تدريجيًا، لكنه كان يواجه صدمة جديدة كلما حاول الوقوف. "كنت أحاول المشي وأسقط أرضًا، لم أكن أفهم لماذا لا أستطيع الوقوف"، يقول.
في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية في غزة، تحولت رحلة العلاج إلى معاناة أخرى.
"لم تكن هناك مسكنات أو مضادات حيوية. كانت عائلتي تبحث عن الدواء في كل مكان، وكان العثور عليه مهمة شاقة"، يضيف.
وبعد أسبوع واحد فقط من استقرار حالته، أصيب بتسمم في الجرح، ما أدخله في رحلة علاج طويلة استمرت عامًا كاملًا، احتاج خلالها إلى غيارات طبية متواصلة لساقه المصابة.
وفي يوليو من العام الماضي، اضطر دردونة للنزوح مرة أخرى، هذه المرة من جباليا إلى شاطئ بحر غزة، حيث يعيش اليوم داخل خيمة صغيرة.
يقول: "نزحت على كرسي متحرك في ظروف صعبة جدًا، وحتى الآن لا أستطيع استخدام العكاز بسبب إصابة يدي".
ولا يقتصر الألم على الجسد فقط، بل يمتد إلى صعوبة توفير العلاج والغذاء في ظل المجاعة التي شهدها القطاع.
ويضيف: "في المجاعة الأولى كنت أشعر أنني أموت كل يوم، ليس فقط بسبب نقص الطعام، بل لأنني كنت بحاجة دائمة إلى الأدوية والتحاليل، وكان همّي الأكبر توفير حبة الدواء".
حتى اليوم، ينتظر دردونة تحويلة طبية للعلاج في الخارج، أملاً في تركيب طرف صناعي قد يساعده على استعادة جزء من حياته السابقة.
لكن الجرح الأعمق، كما يقول، ليس في جسده بل في قلبه كأب. فبعد عامين على إصابته، ما يزال أطفاله يكبرون أمامه بينما يقف عاجزًا عن مشاركتهم حياتهم كما كان يفعل.
يصمت قليلًا قبل أن يقول بصوت خافت: "ابني الصغير لم يفهم إصابتي بعد… كلما أعود إلى الخيمة يركض نحوي ليحملني كما كنت أحمله في الماضي".
يتوقف للحظة، ثم يضيف: "أصمت حينها… هذه هي أكثر لحظة تؤلمني".
فلسطين أون لاين