الدكتور خالد محمد السُليمي
لحظة التحول… حين تتغير قواعد اللعبة
تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة يمكن وصفها بلحظة التحول الاستراتيجي، حيث لم تعُد موازين القوة ثابتة كما كانت في العقود الماضية، فالتطورات المتسارعة، وتداخل الأزمات الإقليمية، والضغوط المتزايدة على مختلف الأطراف، أفرزت واقعاً جديداً تتآكل فيه بعض عناصر القوة التقليدية مقابل صعود أدوات تأثير غير تقليدية، هذه اللحظة لا تعني انهياراً كاملاً لأي طرف، لكنها تشير بوضوح إلى أن البيئة الاستراتيجية باتت أكثر سيولة، وأن فُرص إعادة تشكيل التوازنات أصبحت ممكنة أكثر من أي وقت مضى، في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من قدرات عسكرية، بل بقدرتها على قراءة التحولات واستثمارها، ومن هنا تبرز فكرة "الفرصة التاريخية" التي قد لا تتكرر حيث يُمكن للدول الفاعلة أن تعيد توجيه مسار الأحداث نحو تسويات أكثر استقراراً إذا ما أحسنت استثمار المعطيات الحالية ضمن رؤية استراتيجية متكاملة.
تآكل القوة… قراءة في التحولات لا في الشعارات
الحديث عن تآكل القوة لا يعني بالضرورة ضعفاً مطلقاً، بل يعكس تحولات تدريجية في بنية القوة نفسها، فالدول قد تحتفظ بتفوق عسكري واضح، لكنها تواجه في الوقت ذاته تحديات داخلية وضغوطاً اقتصادية ونفسية تؤثر في قدرتها على الاستمرار في إدارة الصراع بنفس الوتيرة، قفي الحالة الإسرائيلية يمكن ملاحظة مؤشرات متعددة على ازدياد التعقيد في البيئة الداخلية والخارجية سواء على مستوى التحديات الأمنية المتزايدة أو الضغوط المجتمعية والسياسية، هذه المؤشرات لا تُقرأ بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع حيث تتداخل الملفات وتتشابك المصالح بشكل يجعل من الصعب الحفاظ على معادلات الردع التقليدية دون تكلفة متصاعدة، وبالتالي، فإن ما نشهده ليس انهياراً بل تحولاً في طبيعة القوة وحدودها، وهو ما يفتح المجال أمام مقاربات جديدة لإدارة الصراع تقوم على استثمار هذه التحولات بدل الاكتفاء بمراقبتها.
الفرصة التاريخية… متى تتحول إلى واقع؟
ليست كل لحظة استراتيجية فرصة، وليست كل فرصة قابلة للتحقق، الفرصة التاريخية تصبح واقعاً فقط عندما تتوفر لها ثلاثة شروط: (قراءة دقيقة للواقع، إرادة سياسية جماعية، وأدوات تنفيذ فعالة)، ففي السياق العربي فإن الحديث عن فرصة لإعادة صياغة مسار الصراع يتطلب الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل الاستراتيجي المُنظم، فالتحدي لا يكمن في تشخيص الحالة، بل في القدرة على تحويل هذا التشخيص إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ، هذه اللحظة قد تتيح للعرب إمكانية التأثير في مسار الأحداث، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تم التعامل معها كنافذة زمنية محدودة تحتاج إلى قرارات مدروسة وسريعة، فالتاريخ مليء بفرص ضاعت لأن أصحابها لم يدركوا قيمتها في الوقت المناسب، أو لم يمتلكوا الأدوات اللازمة لاستثمارها.
من المواجهة إلى التأثير… أدوات غير عسكرية
التحولات الاستراتيجية الحديثة أثبتت أن القوة لا تُمارس فقط عبر الأدوات العسكرية، بل من خلال منظومات متكاملة تشمل الاقتصاد، والدبلوماسية، والتأثير السياسي، وفي هذا السياق، يمكن للدول العربية أن تمتلك أدوات فعالة لإعادة توجيه مسار الصراع دون الدخول في مواجهات مباشرة، التنسيق السياسي، وتفعيل الدبلوماسية الجماعية، واستخدام الأدوات الاقتصادية بشكل ذكي، كلها وسائل قادرة على خلق بيئة ضغط تدفع نحو تسويات أكثر توازناً، كما أن العمل مع القوى الدولية الفاعلة ضمن إطار مصالح مشتركة يمكن أن يعزز من فرص تحقيق نتائج ملموسة، هذه المقاربة لا تعني التنازل، بل تعني إدارة الصراع بطريقة تحقق الأهداف بأقل كلفة ممكنة، وهو ما يميز الدول التي تفكر استراتيجياً عن تلك التي تنجرف وراء ردود الفعل.
العمل العربي المنسق… من الفكرة إلى الفعل
لطالما كان التنسيق العربي هدفاً مُعلناً، لكنه غالباً ما اصطدم بتحديات الواقع واختلاف الأولويات، غير أن اللحظة الحالية قد تفرض معادلة جديدة تجعل من العمل المشترك ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً، فالتحديات التي تواجه المنطقة اليوم تتطلب مستوى أعلى من التنسيق في المواقف والسياسات، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي تبقى محور الصراع في الشرق الأوسط، العمل العربي المنسق لا يعني بالضرورة توحيد كل المواقف، بل إيجاد أرضية مشتركة للتحرك تحقق الحد الأدنى من الأهداف الاستراتيجية، هذا التحرك يمكن أن يُشكل عنصر ضغط فعّال إذا ما تم ضمن رؤية واضحة وخطة تنفيذية متدرجة، فالقوة الجماعية، عندما تُدار بشكل صحيح، قادرة على إحداث تأثير يفوق بكثير مجموع القدرات الفردية للدول.
الأردن ونموذج التوازن الاستراتيجي
يبرُز الأردن في خضم هذه التحولات كنموذج لدولة تتعامل مع الأزمات بعقلانية واتزان، مستنداً إلى رؤية استراتيجية واضحة يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين فقد أكد جلالته مراراً أن تحقيق الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتم عبر التصعيد بل من خلال حلول سياسية عادلة تعالج جذور الصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ويعتمد النهج الأردني على الجمع بين حماية المصالح الوطنية والحفاظ على دور فاعل في دعم الاستقرار الإقليمي، هذا التوازن يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحديات المحيطة، ويؤكد أن الحكمة الاستراتيجية قادرة على تحقيق الاستقرار حتى في أكثر البيئات تعقيداً، إن تجربة الأردن تقدم مثالاً عملياً على كيفية إدارة الأزمات بعيداً عن الانفعالات، وبما يخدم المصالح الوطنية والإقليمية على حد سواء.
في الختام ... هذه منعطفات لا تحتمل التردد ... فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والفرص الاستراتيجية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة قد تُعيد رسم مستقبله لعقود قادمة إما عبر استثمار ذكي يُفضي إلى تسوية تاريخية، أو عبر إضاعة فرصة قد لا تتكرر، إن تآكل بعض عناصر القوة لدى أطراف الصراع لا يعني نهاية الصراع، بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة تتطلب أدوات مختلفة ورؤية أكثر عمقاً، الرابح في هذه اللحظة لن يكون من يرفع سقف التصعيد، بل من ينجح في إدارة التوازنات وفرض معادلة جديدة أكثر استقراراً، وفي عالم تتشابك فيه المصالح وتتعقد فيه الأزمات، تبقى الحقيقة الأهم أن القوة الحقيقية ليست في استمرار الصراع، بل في القدرة على إنهائه بشروط تصنع السلام وتضمن الاستقرار.