على بوابة العودة… عبد الله يفقد شقيقه ويعبر وحده إلى غزة

mainThumb
على بوابة العودة… عبد الله يفقد شقيقه ويعبر وحده إلى غزة

26-03-2026 12:03 PM

printIcon

أخبار اليوم - عند الحاجز الأخير قبل غزة، حيث كان يفترض أن تنتهي رحلة الغربة ويبدأ العناق، وقف عبد الله عثمان داخل الحافلة، يراقب شقيقه وهو ينزل للحظات عابرة. لم يكن يعلم أن تلك الخطوة ستكون الفاصلة… بين عودةٍ مكتملة، وغيابٍ مفتوح على المجهول.

وتحوّل معبر رفح، الذي طالما ارتبط في ذاكرة الغزيين بالأمل، إلى محطة قاسية في رحلة عبد الله عثمان، الذي عاد من رحلة علاج طويلة، لكنه فقد في الطريق شقيقه ومرافقه الوحيد.

في نقطة التفتيش الأخيرة التابعة لجيش الاحتلال، نادى الجنود على اسم محمد يوسف عثمان (45 عامًا)، ليرافقهم إلى التحقيق. نزل من الحافلة، في مشهدٍ بدا عاديًا في لحظته الأولى، لكنه سرعان ما تحوّل إلى اختفاءٍ كامل. لم يعد، ولم تُقدَّم أي توضيحات حول مصيره.

داخل الحافلة، بقي عبد الله، المريض والمنهك، يراقب المشهد بعجزٍ ثقيل. لم يدرك أن تلك الثواني القليلة ستفصل بينه وبين شقيقه، الذي رافقه طوال رحلة العلاج، وترك خلفه ستة أطفال ليكون إلى جانبه.

عبد الله، من سكان معسكر جباليا، غادر غزة قبل الحرب بعد حصوله على تحويلة طبية إلى مصر في 24 أغسطس/آب 2023، لعلاج مشاكل صحية معقدة شملت حصى الكلى واضطرابات في الجهاز الهضمي، أجبرته على الخضوع لعمليتين جراحيتين.

يقول لـ "فلسطين أون لاين": “كنت أعاني لسنوات، وما كنت أقدر آكل… في مصر أجريت عمليتين، وضلّيت أتابع علاجي طول فترة الحرب”.


لكن الحرب لم تترك العائلة في حالها، حتى خارج غزة. فقد أُصيب أحد أبناء شقيقه محمد خلال قصف مدرسة الفاخورة في جباليا، في حادثة كادت تودي بحياته. “كنا نتابع حالته من بعيد… الحرب لحقتنا حتى في الغربة”، يقول عبد الله.

مع إعلان الهدنة، عاد الأمل بالعودة إلى غزة. سجّل الشقيقان لدى السفارة الفلسطينية في مصر، وبعد انتظار طويل، تلقيا اتصالًا بموعد السفر، مع تأكيدات بحصولهما على الموافقات الأمنية اللازمة.

انطلقت الرحلة، ووصلوا إلى معبر رفح، لكن الطريق لم يكن معبّدًا كما ظنّا. من بين 56 مسافرًا، سُمح لـ43 فقط بالدخول، فيما أُعيد 13، كان عبد الله وشقيقه من بينهم، ليقضوا أيامًا إضافية في منطقة الشيخ زويد بالعريش، بانتظار فرصة جديدة.

ثم جاء اليوم الذي ظنّه عبد الله نهاية المعاناة… لكنه كان بداية فصلٍ أكثر قسوة.

في ثاني أيام عيد الفطر، عاد الشقيقان إلى المعبر. اجتازوا الإجراءات المصرية والأوروبية، لكن عند نقطة الاحتلال، تغيّر كل شيء. “نزلونا من الباص، ونادوا على اسم أخوي محمد… وأخذوه”، يروي عبد الله.

انتظر لساعات، يسأل ويترقب دون إجابة. “حكوا إنه في التحقيق… وبعدين ما في أي رد”. ومع مرور الوقت، بدأ اليقين القاسي يتسلل إليه.

عند العاشرة مساءً، تحركت الحافلة… لكن هذه المرة دون محمد.

وصل عبد الله إلى غزة، إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، منهكًا جسديًا ونفسيًا، يحمل معه وجع الفقد وقلقًا لا ينتهي. “بحاول أتواصل مع الصليب الأحمر… ما في رد. ما بعرف وين أخوي، ولا ليش أخذوه”، يقول بصوتٍ مكسور.

في البيت، تتضاعف المأساة. والد مريض بالقلب، ووالدة تعاني من أمراض مزمنة، يخشى عليهما من صدمة الخبر. “خايف عليهم… اعتقال محمد ممكن يودي بحياتهم”، يضيف.

ورغم كل شيء، يتمسك عبد الله بسؤال واحد: “بدنا نعرف أخوي وين…”.

من جهته، اعتبر أستاذ القانون الدولي د. نافذ المدهون أن ما جرى يمثل “انتهاكًا واضحًا للاتفاقيات الدولية”، خاصة تلك المتعلقة بضمان المرور الآمن للحالات الإنسانية عبر المعابر.

وأوضح أن اعتقال محمد عثمان دون مسوغ قانوني يُعد خرقًا مباشرًا لاتفاقيات جنيف، التي تكفل حماية المدنيين ومنع الاعتقال التعسفي، مؤكدًا أن المسؤولية لا تقع على الاحتلال وحده، بل تمتد إلى الأطراف الراعية للاتفاق.

وأضاف أن تحويل المعابر من ممرات إنسانية إلى نقاط احتجاز يعكس سياسة ممنهجة، تستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لمحاسبة المسؤولين وكشف مصير المعتقلين.

وهكذا، عاد عبد الله إلى غزة… لكن العودة لم تكتمل. على بوابة العبور، خسر شقيقه، وترك خلفه سؤالًا مفتوحًا لا يجد إجابة. في غزة، حيث تنتهي الطرق غالبًا بالبدايات المؤلمة، تبقى الحكاية معلّقة بين أملٍ لا ينطفئ… وغيابٍ لا يُحتمل.

فلسطين أون لاين