حماده أبو نجمة
مع بدء مجلس النواب غداً النظر في تعديلات قانون الضمان الاجتماعي تتزايد المخاوف من تكرار تجارب سابقة جرى فيها تمرير قوانين بالغة الأهمية بإجراءات متسارعة لا تعكس اهتماما حقيقياً بجودة التشريع وملائمته لمصالح الأطراف ذات العلاقة، رغم ما تحمله هذه القوانين من آثار مباشرة على حياة المواطنين ومستقبلهم.
هناك مشكلة حقيقية في الطريقة التي يدار بها هذا الملف منذ البداية، فخلال أيام قليلة أنجزت مناقشات لتعديلات تمس أهم أنظمة الحماية الاجتماعية، بعد جلسات استماع مكثفة وصفت بأنها حوار وطني، لكن ما جرى مع التقدير لا يمكن اعتباره حواراً بالمعنى الحقيقي.
الحوار في قضايا الضمان الاجتماعي كما هو مستقر في معايير منظمة العمل الدولية يكون على مائدة واحدة تجمع الحكومة وممثلي العمال وأصحاب العمل وباقي الشركاء، ويبدأ قبل صياغة التعديلات لا بعدها، ويقوم على التوازن بين مصالح هذه الأطراف وحقوق المؤمن عليهم والاستدامة المالية، وليس فقط على حسابات الربح والخسارة للصناديق.
والأردن بصفته عضواً في منظمة العمل الدولية ومصادقاً على اتفاقية العمل الدولية رقم 102 الخاصة بالحدود الدنيا للضمان الاجتماعي ملزم بالالتزام بهذه القواعد وعلى رأسها الحوار الاجتماعي كأحد أهم مرتكزات بناء السياسات الاجتماعية المتوازنة.
أما جلسات الاستماع فمهما اتسعت فهي لا يمكن أن تكون بديلاً عن هذا المسار، فالإعلان العالمي للعدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة 2008 الملزم للأردن، يؤكد أن الحوار الاجتماعي ركيزة أساسية في تصميم السياسات في مختلف القضايا وخاصة في قضية من هذا النوع الذي يمس حياة ومستقبل كل مواطن.
المشكلة الأعمق أن هذه الإجراءات جاءت بعد إعداد التعديلات وليس قبله، فلم يطرح السؤال الأساسي فيما إذا كنا بحاجة فعلاً لتعديل القانون، وهل الخلل في شروط التقاعد أم في توسعة الشمول والتهرب التأميني وضعف الإيرادات وسياسات سوق العمل وخاصة سياسات إنهاء الخدمات.
وفي نفس الوقت تتشكل قناعة متزايدة بأن مسار التعديلات وشكلها كان محدداً منذ البداية، وأن ما جرى من جلسات استماع ومنصات لتلقي الملاحظات لم يقصد به إجراء مراجعة حقيقية، فكان في إطار امتصاص ردود الفعل والتخفيف من حدتها.
كما أننا بدأنا نسمع عبارات وشعارات من بعض الكتل والأحزاب تتحدث عن "رفض التعديلات بالشكل الذي قدمته الحكومة"، وهي صياغات توحي بالرفض لكنها في مضمونها تفتح الباب لتمرير التعديلات بعد إدخال تحسينات شكلية عليها، وهو ما يؤكد الشكوك حول وجود سيناريو جاهز لتمرير القانون بصيغة معدلة شكلياً دون مراجعة حقيقية لمضمونه.
فلماذا هذا الإصرار على المضي بالتعديلات بهذا الشكل؟ خصوصاً أن الحكومة نفسها أكدت أن أي تعديل يتعلق بتقاعد الشيخوخة أو التقاعد المبكر لن يبدأ تطبيقه قبل عام 2030، كما أنه وحسب القانون سيتم إجراء دراسة اكتوارية خلال فترة قريبة جدا، وفي ظل متغيرات مهمة طرأت على سوق العمل منذ الدراسة السابقة وعلى رأسها وقف الإحالات القسرية للتقاعد المبكر.
إذاً نحن لسنا أمام ضرورة عاجلة ولدينا فرصة حقيقية لإعادة فتح الملف بشكل صحيح، فالإصلاح الحقيقي يجب أن لا يكون بتحميل المؤمن عليهم كلفة الاختلالات ولا بتشديد شروط التقاعد، وكان الأجدى العمل على معالجة الأسباب، وعلى رأسها توسعة الشمول والحد من التهرب وتحسين الإيرادات ووقف سياسات إنهاء الخدمات الجماعي.