أخبار اليوم - يتصاعد المشهد العسكري في جنوب لبنان بوتيرة لافتة، مع تركيز إسرائيلي واضح على محوري بنت جبيل والخيام، في محاولة لفرض معادلات ميدانية جديدة قبل أي مسار تفاوضي، وسط استمرار القصف وتوسع رقعة الاشتباك.
وتكشف خريطة الاستهدافات، وفق ما عرضه عبد القادر عراضة على الجزيرة، عن نمط تصاعدي يبدأ من شمال الليطاني وصولا إلى الجنوب، حيث شُنت الغارات على مناطق النبطية وزفتا وكفر رمان، قبل أن تمتد إلى العديسة والطيبة ومحيط بنت جبيل.
ويشير عراضة إلى أن كثافة الضربات على بنت جبيل تحديدا، إلى جانب تكرار استهدافها، تعكس أهمية خاصة لهذه المنطقة في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، لا سيما مع تسجيل غارات متتالية واشتباكات متكررة في محيطها.
كما لفت إلى أن حزب الله أعلن استهداف قوات إسرائيلية وجرافات كانت تنفذ عمليات تفجير في عيتا الشعب والطيبة والخيام، في مؤشر على محاولة إسرائيل تغيير معالم الميدان عبر تدمير البنية العمرانية وإضعاف نقاط الارتكاز.
ويمتد التصعيد إلى ما وراء الحدود، حيث طالت هجمات حزب الله مستوطنات شمال إسرائيل مثل عرب العرامشة وأدميت وزرعيت، إضافة إلى محاولات اعتراض صواريخ في عكا، مما يعكس استمرار تبادل الضربات على جانبي الجبهة.
سعي إسرائيلي للحسم
وفي التحليل العسكري، قال الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد نضال أبو زيد إن إدخال فرقة المدرعات 162 إلى معركة بنت جبيل يمثل مؤشرا واضحا على سعي إسرائيل للحسم، نظرا لكونها من أبرز تشكيلات النخبة القتالية.
وأوضح أبو زيد أن هذه الفرقة، التي تُعرف بـ"الصلب والنار"، تُستخدم عادة في المعارك الحاسمة، ويشكل اللواء المدرع 401 رأس الحربة فيها، وهو اللواء الذي سبق أن خاض معارك في غزة وتكبد خسائر أمام المقاومة.
ويضيف أن الدفع بهذه القوة يعكس تحولا في طبيعة المعركة، من عمليات قصف واستنزاف إلى محاولة فرض سيطرة ميدانية مباشرة، خصوصا في ظل تعثر التقدم البري خلال الأسابيع الماضية.
وعن طبيعة العمليات، أشار أبو زيد إلى أن الجيش الإسرائيلي يسعى إلى تطويق بنت جبيل عبر محاور متعددة، من بينها التقدم من مارون الراس نحو عيتا الشعب وعيناثا، بالتوازي مع تحركات من يارون باتجاه عين إبل.
ويهدف هذا الانتشار، وفق أبو زيد، إلى وضع المدينة بين "فكي كماشة"، عبر حصارها من الجهة الشرقية، في محاولة لعزلها عن محيطها وإجبار المقاومة على الانسحاب أو فقدان القدرة على المناورة.
لكن في المقابل، يؤكد أن المقاومة لا تزال تحافظ على تماسكها داخل بنت جبيل، وتعمل على منع القوات الإسرائيلية من تحقيق اختراق حاسم، مما يبقي المعركة مفتوحة على سيناريوهات متعددة.
أهمية بنت جبيل والخيام
وتكمن أهمية بنت جبيل، بحسب أبو زيد، في موقعها الجغرافي وارتفاعها الذي يصل إلى نحو 770 مترا، ما يجعلها منطقة إشراف حاكمة على جنوب لبنان وشمال إسرائيل، إضافة إلى رمزيتها المعنوية في خطاب حزب الله.
ويشير إلى أن السيطرة على هذه المدينة تعني عمليا التحكم في جزء واسع من القطاع الأوسط، وفتح الطريق أمام إعادة رسم خطوط التماس بما يخدم الرؤية الإسرائيلية للمرحلة المقبلة.
ولا تقل الخيام أهمية عن بنت جبيل، إذ يوضح أبو زيد أنها تشكل نقطة إشراف إستراتيجية على سهل الحولة وإصبع الجليل، وتقع ضمن نطاق جغرافي ضيق يتيح لمن يسيطر عليها مراقبة تحركات واسعة في المنطقة.
ويضيف أن موقع الخيام يمنح قدرة على قطع خطوط التواصل بين الجنوب والبقاع، ما يجعلها هدفا مركزيا في أي خطة تهدف إلى تفكيك البنية العملياتية للمقاومة وعزل مناطق نفوذها.
في السياق ذاته، يربط أبو زيد بين التصعيد الميداني والحسابات السياسية، مشيرا إلى أن تقليص الضربات على بيروت والضاحية الجنوبية يعكس توجها لتوفير الذخائر والجهد الجوي تحسبا لسيناريوهات أوسع.
ويؤكد أن هذا التوجه يرتبط بإمكانية فشل المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مما يدفع إسرائيل إلى الاحتفاظ بقدرتها التصعيدية لمرحلة لاحقة قد تتطلب توسيع نطاق العمليات.
كما يلفت إلى أن استخدام خرق جدار الصوت فوق بيروت يدخل ضمن أدوات "الصدمة والترويع"، بهدف الضغط النفسي دون الانخراط في تصعيد مباشر قد يفرض كلفة سياسية مرتفعة.
الجزيرة