أخبار اليوم - تعد تجربة الأمومة مع الطفل الأول من أهم التجارب التي تعيشها المرأة، إلا أنها غالبا ما ترافقها مشاعر خوف متزايدة تعيشها كل أم جديدة. فبين الفرح بتحقق الأمومة وثقل المسؤولية، يظهر الخوف كرفيق دائم، مع كل تصرف يصدر عن هذا الكائن الصغير.
وفي كثير من الأحيان، يكون هذا الخوف طبيعيا ومبررا، نابعا من غريزة الأمومة وحداثة التجربة، إلا أنه قد يتحول لدى بعض الأمهات إلى قلق زائد ومبالغ فيه، خاصة في ظل كثرة المعلومات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وانتشار التجارب الشخصية والتشخيصات غير الطبية.
وهنا تجد الأم نفسها تقارن سلوك طفلها بحالات أخرى، أو تفسر تصرفات طبيعية على أنها مؤشرات خطر، ما يدفعها إلى حالة من القلق المستمر، واللجوء المتكرر إلى المستشفيات والعيادات بحثا عن الطمأنينة.
وقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بقصص واستفسارات حول تصرفات تبدو طبيعية لدى الأطفال، إلا أن الخوف الزائد يدفع الأمهات إلى تحليلات مقلقة، تقودهن في كثير من الأحيان إلى أبواب المستشفيات فقط لطمأنة قلوبهن.
وهذا ما مرت به إلهام (29 عاما) مع طفلتها الأولى؛ ففي بداية مشي طفلتها، لاحظت أنها تميل في سيرها وتنحني بظهرها بشكل مبالغ فيه، ما أدخلها في دوامة من القلق.
وتبين إلهام أنها توجهت إلى المستشفى للاطمئنان على طفلتها، وأجرت لها الفحوصات وصور الأشعة التي أظهرت أنها بخير، إلا أن ذلك لم يطمئن قلبها، فبدأت بالبحث عن طبيب عظام للحصول على تأكيد إضافي.
ورغم تأكيد المحيطين بها أن طفلتها ما تزال في خطواتها الأولى وتحتاج إلى الوقت لتسير بشكل طبيعي، فإن قلقها لم ينته.
أما دلال (37 عاما)، فتقول إن تصفحها الدائم لمجموعات الأمهات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعتها المستمرة لقصص أطفالهن، جعلها تعيش حالة من الشك الدائم بصحة طفلتها الصغيرة. فمع كل قصة أو ملاحظة بسيطة، كانت تسارع بها إلى المستشفى، متنقلة من فحص إلى آخر، فقط ليطمئن قلبها.
من جانبها تبين استشارية النفس الأسري والتربوي حنين البطوش، أن تجربة الأمومة الأولى تمثل تحولا سيكولوجيا وبيولوجيا عميقا، حيث يمتزج فيها تدفق "هرمون الأوكسيتوسين"، بضغوط المسؤولية المستجدة، ما يجعل الخوف رفيقا حتميا في هذه المرحلة.
وتوضح أن الخوف يصنف علميا كاستجابة غريزية تكيفية تهدف إلى حماية المولود، إلا أن المشكلة تكمن في تحوله من "يقظة واعية" إلى "قلق معمم".
وتشير البطوش إلى أن هذا التصاعد في القلق يجد بيئة خصبة في عصر الانفتاح الرقمي، حيث تقع الأم في فخ "الارتباك المعلوماتي" نتيجة المقارنات المستمرة مع تجارب الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يؤدي إلى تآكل الثقة بحدسها الفطري واستبداله بما يمكن وصفه بـ "الوسواس التشخيصي". وتلفت إلى أن هذا السلوك لا يستنزف طاقة الأم الجسدية فحسب، بل قد يعيق أيضا عملية "الارتباط الآمن" بينها وبين طفلها، إذ ينتقل التوتر إلى الطفل عبر التفاعل غير اللفظي.
وتؤكد البطوش، أن تحقيق التوازن النفسي يتطلب الانتقال من العشوائية المعلوماتية إلى "الفلترة الواعية"، من خلال اعتماد المصادر الطبية الموثوقة كمرجع رئيسي، إلى جانب ممارسة تقنيات "اليقظة الذهنية"، لتقبل فكرة عدم المثالية.
كما تشدد على ضرورة إدراك أن الخطأ جزء من عملية التعلم التراكمية، وأن الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب التحرر من "هوس الكمال"، يشكلان ركيزتين أساسيتين لتحويل الخوف من عبء يدفع إلى زيارات طبية غير مبررة، إلى قوة دافعة لرعاية أكثر هدوءا واستقرارا.
وتوضح أن القلق في بداياته يعد استجابة غريزية مبررة لحماية المولود، لكنه يتحول إلى عبء نفسي حين تغذيه "المقارنات الرقمية"، والتدفق العشوائي للمعلومات غير الطبية، ما يرفع من مستويات الوسواس ويؤثر في جودة الارتباط العاطفي بين الأم وطفلها.
وتشير البطوش إلى أن المواجهة النفسية الفعالة تكمن في التوقف عن تلقي النصائح المتضاربة عبر المنصات الاجتماعية، واستبدالها بمصادر طبية متخصصة، مع تبني قناعة ذهنية بأن "الأمومة ليست سباقا نحو المثالية"، بل رحلة تعلم متدرجة يسمح فيها بالخطأ.
وتؤكد أن تحقيق هذا التوازن يتطلب أيضا ممارسة تقنيات "اليقظة الذهنية" للسيطرة على القلق اللحظي، وطلب دعم اجتماعي واع يعزز شعور الأم بالطمأنينة، ما يسهم في تحويل الخوف إلى طاقة إيجابية تنعكس على رعاية أكثر اتزانا، وصحة نفسية أفضل للأم والطفل.
وتختتم البطوش بالإشارة إلى أن التعامل اليومي مع القلق يتطلب تبني منهج "الفلترة الواعية"، من خلال تحديد أوقات محددة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لتجنب المقارنات التي تعزز الشعور بالتقصير، مع حصر المعلومات الطبية بالمصادر الموثوقة فقط.
ومن الناحية النفسية، يتطلب الأمر ممارسة "القبول الراديكالي"، لفكرة أن الأمومة رحلة اكتشاف وليست اختبارا للمثالية، ما يسمح للأم بمنح نفسها "حق الخطأ"، ويخفف من الضغط النفسي الذي قد ينتقل تلقائيا إلى الطفل ويؤثر في جودة الارتباط العاطفي بينهما.
وهنا تبرز أهمية التحدث الصريح مع شريك الحياة أو المختصين حول هذه المخاوف، بحسب البطوش، بهدف تبديدها قبل تفاقمها، وتحويل طاقة الخوف من قلق يقود إلى زيارات متكررة للمستشفيات، إلى "يقظة حدسية"، هادئة تقوم على مراقبة نمو الطفل بوعي وثقة، بما يضمن بيئة أسرية مستقرة تدعم النمو النفسي السليم للطرفين.
وتنصح البطوش كل أم جديدة تشعر بثقل المسؤولية بأن تدرك أن خوفها ليس دليلا على ضعفها، بل انعكاس لعمق غريزتها وحرصها الفطري، إلا أن هذا الحب لا ينبغي أن يتحول إلى قيد يسرق منها متعة اللحظة، وتقول: "العلم يخبرنا أن طفلك لا يحتاج إلى "أم مثالية" لا تخطئ، بل يحتاج إلى "أم متزنة"، تمنحه الشعور بالأمان والهدوء".
وبدورها تقول طبيبة الأطفال أسيل المعايطة، أن هناك نوعين من الزيارات في عيادات طب الأطفال؛ الأول هو الزيارات الدورية "الروتينية" للأطفال حديثي الولادة، حيث تتم متابعة الطفل عند عمر الأسبوعين، ثم شهر ثم شهرين، ثم أربعة وستة أشهر، وخلالها يتلقى المطاعيم اللازمة، ويتم قياس وزنه وطوله.
وتضيف أن هذه الزيارات تهدف إلى التأكد من سلامة الطفل البدنية، وتعد بمثابة فحص شامل، ومع مرور الوقت تقل وتيرتها لتصبح كل ستة أشهر، ثم مرة كل عام.
أما النوع الثاني، فهو الزيارات المرتبطة بمرض الطفل، وتؤكد المعايطة أن الحالة الأكثر أهمية هي للأطفال دون عمر ثلاثة أشهر، إذ إن إصابتهم بارتفاع في درجة الحرارة تستوجب التوجه فورا إلى طبيب الأطفال، نظرا لصعوبة التعامل مع الحمى في هذه المرحلة العمرية.
وتوضح أن الطفل قد يعاني من الرشح، إلا أن طبيعة جسمه ومناعته تتعامل مع المرض بطريقة مختلفة عن الأطفال الأكبر سنا، ما يستدعي عناية خاصة. وتقول: "دائما نؤكد على فكرة أن الحرارة هي عرض وليس مرضا، وهي إحدى الأعراض لوجود التهاب بالجسم سواء كان فيروسيا أو بكتيريا".
وتذكر المعايطة أننا في موسم الشتاء أغلب الأمراض التي تصيب الأطفال هي رشوحات سواء كانت الزكام العادي أو الانفلونزا، ولذلك دائما ننبه الأهل إذا حدث إرهاق بالتنفس وعدم قدرة الطفل أو الرضيع بالأخص على أنه شرب الحليب وتقبل الأكل أو كان يعاني من استفراغ وحرارة شديدة جميعها.
وتبين المعايطة أن جميع هذه الأعراض تحتاج إلى تقييم من قبل الطبيب، موضحة أن الإنترنت متوفر لكل شيء والأم اليوم تقرأ عن أي مشكلة طبية تلاحظها في طفلها ولكن هذا لا يعني أن المعلومة تنطبق على طفلها كتشخيص.
وتشير إلى أنه مهما شعرت الأم بقلق لتصرف طفلها أو قرأت عبر الإنترنت في النهاية يجب أن تعود لطبيب الطفل وهو يقيم الحالة وبناء عليه قد يجري فحوصات أو صور أشعة، أو تطمين الأهل بأن هذا الأمر طبيعي ويتلاشى مع الوقت ويحتاج الوقت فقط.
وعليه تنصح المعايطة الأمهات الجدد بالالتزام بالزيارات الطبية الدورية الأولى، وتجهيز أسئلتهم مسبقا مهما كانت كثيرة، وطرحها خلال الزيارة، وبذلك عندما يمرض الطفل تكون الأم لديها أساسيات التعامل مثل كيف تقيس الحرارة، ومتى تلجأ لخافض الحرارة، وغيرها من الأسئلة.
وتختم، "الأم للمرة الأولى لا تكون لديها دراية بهذه الأمور فيجب أن تتعرف على هذه المعلومات والانتباه لكل شيء"، وفي النهاية يجب التوجه لطبيب الأطفال الخاص بالطفل، لأن الطبيب يحدد ما هو طبيعة المرض إن وجد، وما هي العلاجات المناسبة له.