فشل الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد: بين حسابات غير قابلة للتنازل وسيناريوهات التصعيد الصامت… إلى أين يتجه الصراع الأمريكي-الإيراني؟

mainThumb
فشل الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد: بين حسابات غير قابلة للتنازل وسيناريوهات التصعيد الصامت… إلى أين يتجه الصراع الأمريكي-الإيراني؟

14-04-2026 11:33 AM

printIcon

الدكتور خالد محمد السُليمي

حين تفشل الطاولة… تتكلم موازين القوة
لم يكن فشل الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية–الإيرانية حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة منطقية لتراكمات استراتيجية عميقة، فالمفاوضات التي عُقدت في إسلام آباد لم تكن تهدف فقط إلى وقف التصعيد، بل إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك، لكن المشكلة الجوهرية أن الأطراف لم تدخل التفاوض بعقلية تسوية، بل بعقلية تحسين المواقع قبل الجولة التالية، في مثل هذه الحالات، تصبح الطاولة امتداداً غير مباشر لساحة المعركة، حيث تُستخدم اللغة الدبلوماسية كأداة ضغط، لا كوسيلة حل، وهكذا، فإن الفشل هنا لا يعني نهاية المسار، بل يؤكد أن الصراع ما زال في مرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي.

لماذا فشلت الجولة؟ الجواب في “ما لا يمكن التنازل عنه”
السبب الحقيقي لفشل الجولة الأولى لا يكمن في التفاصيل التقنية، بل في جوهر المطالب المتعارضة، الولايات المتحدة سعت إلى ضمانات تتعلق بالحد من القدرات العسكرية والنفوذ الإقليمي، بينما تمسكت إيران بما تعتبره "خطوطاً سيادية حمراء"، هذه الفجوة لم تكن قابلة للجسر في هذه المرحلة، لأن أي تنازل جوهري كان سيُفسَّر داخلياً كضعف استراتيجي، هنا يظهر العامل الأهم: السياسة الداخلية لكل طرف أصبحت جزءاً من معادلة التفاوض، وبالتالي، لم يكن الفشل نتيجة سوء إدارة، بل نتيجة طبيعية لتقاطع خطوط لا يمكن تجاوزها دون كلفة سياسية عالية.

الوساطة الإقليمية… نجاح جزئي وفشل محسوب
الدور الذي لعبته باكستان في استضافة المفاوضات يعكس محاولة جادة لخلق مساحة توازن بين الأطراف، اختيار إسلام آباد لم يكن اعتباطياً، بل يعكس سعياً لإيجاد بيئة تفاوضية أقل استقطاباً ومع ذلك، فإن الوساطة مهما كانت فاعلة لا تستطيع تجاوز حدود الإرادة السياسية للأطراف، يُمكن القول إن الوساطة نجحت في جمع الخصوم على الطاولة، لكنها لم تتمكن من تحويل اللقاء إلى اختراق حقيقي، وهذا بحد ذاته ليس فشلاً كاملاً، بل خطوة في مسار طويل ومعقد.

ما الذي كشفه الفشل؟ قراءة في العمق الاستراتيجي
فشل الجولة الأولى كشف حقيقة أساسية: أن الصراع لم يصل بعد إلى مرحلة "الإرهاق الاستراتيجي" الكافي لفرض تسوية، الأطراف ما زالت تعتقد أن لديها هوامش مناورة إضافية، سواء عسكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً، كما كشف الفشل أن هناك اختلافاً في تعريف النجاح، فما تراه واشنطن إنجازاً، قد تعتبره طهران تهديداً، والعكس صحيح، هذا التباين يجعل أي اتفاق سريع أمراً غير واقعي في المدى القريب، بمعنى آخر، المفاوضات لم تفشل لأنها ضعيفة، بل لأنها جاءت في توقيت لم تنضج فيه شروط التسوية بعد.
من ربح ومن خسر؟ قراءة في ميزان القوة المركّب
في مثل هذا النوع من الصراعات، لا يمكن اختزال الربح والخسارة بمنطق النتائج المباشرة، بل يجب قراءتهما ضمن ميزان القوة المركّب الذي يجمع بين العسكري والسياسي والنفسي والاقتصادي، الولايات المتحدة نجحت في الحفاظ على ضغط متعدد الأبعاد عسكرياً عبر الانتشار، واقتصادياً عبر أدوات العقوبات، وسياسياً عبر تحالفاتها لكنها لم تتمكن من تحويل هذا الضغط إلى تنازل إيراني ملموس، ما يعني أن القوة لم تُترجم إلى نتيجة سياسية حاسمة، في المقابل، إيران نجحت في تثبيت معادلة "الصمود مقابل الضغط"، وحافظت على خطوطها الحمراء دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وهو مكسب استراتيجي نسبي، لكنه مكلف على المدى الطويل، أما الخاسر الأعمق فهو بيئة الاستقرار الإقليمي التي دخلت مرحلة من الهشاشة المنظمة، حيث يصبح كل طرف قادراً على التعطيل، لكن غير قادر على الحسم، وهنا تتجلى الحقيقة الأهم: الربح الحقيقي لم يتحقق بعد، بل يتم تأجيل الخسارة بأدوات مختلفة.

السيناريوهات القادمة… بين التصعيد الصامت والانفراج المؤجل
المرحلة القادمة لا تُقرأ بسيناريو واحد، بل عبر طبقات متداخلة من السيناريوهات تتمثل بما يلي:
1. السيناريو الأول. التصعيد الصامت: ((Silent Escalation. وهو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر العمليات غير المباشرة، هجمات محدودة، ضغوط اقتصادية، حرب سيبرانية، دون إعلان مواجهة شاملة، هذا السيناريو يمنح الأطراف القدرة على تحسين مواقعها دون تحمل كلفة الحرب المفتوحة، لكنه يحمل خطر الانزلاق بسبب خطأ تكتيكي.
2. السيناريو الثاني. الجمود الديناميكي:(Dynamic Stalemate). حيث تستمر المفاوضات شكلياً دون اختراق، بينما يُدار الصراع في الخلفية، هذا النموذج قد يطيل أمد الأزمة، لكنه يمنع الانفجار.
3. السيناريو الثالث. الاختراق المشروط: (Conditional Breakthrough). ويحدث عندما تتغير معادلة الضغط سواء عبر حدث ميداني كبير أو تدخل دولي حاسم ما يدفع الأطراف إلى تقديم تنازلات جزئية ضمن صفقة أوسع.
4. السيناريو الرابع. الانفجار المحسوب: (Controlled Escalation). حيث يلجأ أحد الأطراف إلى تصعيد محدود ومدروس لإعادة ضبط قواعد اللعبة.
المعادلة الأساسية هنا: كل سيناريو لا يُلغي الآخر، بل قد تتنقل الأطراف بينها وفق تطور الأحداث، ما يجعل المرحلة القادمة سائلة استراتيجياً وغير قابلة للتنبؤ الخطي.

إلى أين يتجه الصراع؟ من المواجهة المباشرة إلى إدارة التعقيد
الاتجاه العام للصراع لا يشير إلى نهاية قريبة، بل إلى تحول في طبيعته من مواجهة مباشرة إلى إدارة تعقيد متعدد المستويات، ما حدث في إسلام آباد أكد أن الأطراف لم تعُد تبحث عن انتصار تقليدي، بل عن تثبيت موقع متقدم داخل معادلة طويلة الأمد، هذا يعني أن المرحلة القادمة ستشهد تزايداً في استخدام أدوات غير تقليدية: الاقتصاد كسلاح، الإعلام كساحة صراع، والتحالفات كأدوات ضغط، في هذا السياق، تصبح القدرة على إدارة التوازنات الدقيقة أهم من القدرة على فرض الحسم، كما أن العامل الحاسم لن يكون فقط في قرارات العواصم الكبرى، بل في كيفية تفاعل العوامل الإقليمية والداخلية مع هذا الصراع، فكلما طال أمد الأزمة، زادت احتمالات ظهور متغيرات غير محسوبة تعيد تشكيل المشهد بالكامل.

أخطر سيناريو خلال 30 يوماً… الانزلاق غير المقصود نحو التصعيد
أخطر ما في المرحلة القادمة ليس قراراً بالحرب، بل غياب القرار بضبطها، السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في "الانزلاق غير المقصود" الذي تحدثنا عنه كثيراً، حيث يؤدي حدث ميداني محدود هجوم غير محسوب، خطأ في التقدير الاستخباري، أو رد فعل مبالغ فيه إلى سلسلة تصعيد متتالية تخرج عن السيطرة، هذا النوع من السيناريوهات لا يبدأ بنية الحرب، بل بـسوء قراءة نوايا الطرف الآخر، خلال 30 يوماً، ومع بقاء التوتر مرتفعاً، تصبح احتمالية هذا السيناريو أعلى من أي اتفاق مفاجئ، الخطورة هنا أن كل طرف سيعتقد أنه يرد بشكل محسوب، بينما يراه الطرف الآخر تصعيداً يستوجب الرد، فتتشكل "دوامة تصعيد ذاتي"، في هذه الحالة، لا تكون المشكلة في القوة، بل في سرعة التفاعل قبل اكتمال الفهم، ما قد يدفع المنطقة إلى مواجهة لم تكن ضمن حسابات أي طرف في الأصل.

التحليل غير المُعلن… لماذا فشلت المفاوضات فعلياً؟
بعيداً عن الخطاب الرسمي، فإن السبب الأعمق لفشل المفاوضات لا يتعلق فقط بتضارب المطالب، بل بـغياب الثقة البنيوية بين الأطراف، كل طرف دخل المفاوضات وهو مقتنع أن الطرف الآخر لا يسعى لتسوية حقيقية، بل لكسب الوقت وتحسين موقعه، هذا الإدراك المتبادل خلق ما يُعرف استراتيجياً بـ "مأزق النوايا"، حيث تُفسَّر كل خطوة (بالإيجابية) على أنها مناورة تكتيكية، إضافة إلى ذلك، فإن التباين في تعريف "الحد الأدنى المقبول" جعل أي أرضية مشتركة شبه مستحيلة، الأهم من ذلك أن بعض الملفات الجوهرية لم تُطرح أصلاً على الطاولة بشكل صريح، بل بقيت مؤجلة عمداً، ما جعل المفاوضات تدور حول القشور لا الجذور، فالحقيقة التي لا تُقال عادة: المفاوضات لم تفشل بسبب الخلاف… بل بسبب انعدام الثقة في إمكانية الاتفاق أصلاً.

في الختام ما بعد الحقيقة… إدارة الطريق نحو لحظة التسوية
إن إدراك أن الصراع لم يبلغ بعد لحظة التسوية لا يعني الاستسلام لمنطق الاستنزاف، بل يفرض على صُنّاع القرار إعادة تعريف أدواتهم وإيقاعهم، فالمسار القادم لن يُحسم بضربة واحدة أو جولة تفاوضية منفردة، بل عبر تراكمات دقيقة تُدار فيها الرسائل والضغوط والتهدئات بشكل متوازن، المطلوب اليوم ليس البحث عن "اتفاق شامل" سريع، بل بناء مسار تدريجي يقلّص فجوات الثقة ويضبط نقاط الاحتكاك، كما أن إدارة التصعيد الصامت تتطلب قنوات اتصال مفتوحة، وآليات احتواء فوري لأي حادث ميداني قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، في هذا السياق، تصبح المرونة التكتيكية مع الثبات الاستراتيجي هي المعادلة الأهم، فالتسويات الكبرى لا تُولد فجأة… بل تُبنى بصمت، خطوةً وراء خطوة، حتى تبدو لحظة إعلانها وكأنها حتمية تاريخية لا خياراً سياسياً.