الدكتور خالد محمد السُليمي، عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية
حين يرتفع العلم… ترتفع الحكاية
في السادس عشر من نيسان، لا يُرفرف العلم الأردني فوق الساريات فقط، بل في أعماق الوجدان الجمعي لكل أردني يعرف أن الراية ليست قطعة قماش، بل ذاكرة وطن وهوية أمة، في هذا اليوم، تتوحد التفاصيل الصغيرة مع الصورة الكبرى، شرفات المنازل، نوافذ المدارس، واجهات المؤسسات، وحتى قلوب الناس، كلها تتحول إلى مساحات احتفاء صادق، إن يوم العلم ليس مناسبة بروتوكولية عابرة، بل لحظة استدعاء تاريخي تختزل مسيرة دولة صنعت حضورها وسط التحديات، وفرضت احترامها بإرادة شعبها، هنا، لا يكون رفع العلم مجرد فعل احتفالي، بل إعلان يومي متجدد بأن الأردن ثابت، راسخ، وقادر على تحويل رمزية اللون إلى فعل سيادي حي، إنها لحظة يدرك فيها الجميع أن العلم ليس فوقنا فقط بل فينا.
ألوان تحكي… ودلالات لا تُساوم
ليس في العلم الأردني لون عابر أو خط مرسوم بلا معنى، بل كل تفصيل فيه يحمل رواية ممتدة في عمق التاريخ العربي والإسلامي، الأسود يهمس بمرحلة صلبة من الدولة العباسية، والأبيض يستحضر نقاء العهد الأموي، والأخضر يفيض بروح الفاطميين، فيما يتوسط الأحمر كنبض الثورة العربية الكبرى التي أعادت تعريف الكرامة العربية، وفي قلب المثلث، تقف النجمة السباعية كدلالة على القيم الجامعة، ومقاصد سامية تلتقي فيها الروح بالعقيدة والانتماء، إن هذه الألوان ليست فقط رموزاً تاريخية، بل منظومة فكرية تعكس هوية وطن لا يقبل التنازل عن جذوره، وفي زمن تتبدل فيه الرموز سريعاً، يبقى العلم الأردني ثابتاً، لا كرمز ماضٍ فقط، بل كخارطة مستقبل تُكتب بألوان السيادة والوعي.
علمنا عالٍ متألق… حين تتحول العبارة إلى سلوك
لا تكتمل قيمة الشعارات إلا حين تتحول إلى ممارسة يومية، وهذا ما يجسده شعار "علمنا عالٍ"، فهو ليس مُجرد جملة تتردد في الاحتفالات، بل فلسفة وطنية تتجلى في تفاصيل الحياة، في أداء الجندي على الحدود، في اجتهاد الطالب في مدرسته، وفي التزام الموظف بواجبه العام، يوم العلم يُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، حيث لا يعود الانتماء مجرد شعور، بل مسؤولية، هنا، يصبح رفع العلم فعلاً يعكس أخلاق العمل، وثقافة الإنجاز، وروح التضحية، ومن خلال الفعاليات التي تعم المملكة، يتجسد هذا الشعار كحالة وطنية شاملة، تدمج الرسمي بالشعبي، وتحوّل الاحتفال إلى مساحة لإعادة شحن المعنى الحقيقي للمواطنة، إنه اليوم الذي يُقاس فيه ارتفاع العلم… بمدى ارتفاع الوعي.
بين الدولة والشعب… عَلمٌ واحد لا ينقسم
ما يُميز يوم العَلم في الأردن أنه لا يُحتكر من جهة دون أخرى، بل يتوزع بين مؤسسات الدولة وقلوب الناس، في مشهد نادر من التلاحم الوطني الحقيقي، فالراية هنا ليست ملكاً لسلطة، بل عقداً معنوياً بين القيادة والشعب، يُجدَّد كل عام بإرادة مشتركة، في الشوارع، ترى الأطفال يحملون العلم بحماس، وكأنهم يحملون المستقبل، وفي الميادين تقف الأجيال المختلفة تحت راية واحدة، لا تفرقها اختلافات، بل توحدها هوية، هذا المشهد ليس عابراً، بل يعكس عمق الاستقرار الذي يقوم على الثقة المتبادلة، والانتماء الصادق، إن العلم الأردني، في هذا السياق، لا يمثل فقط الدولة ككيان سياسي، بل كفكرة جامعة قادرة على احتواء الجميع، وصياغة سردية وطنية لا تقبل الانقسام.
الأردن اليوم… علم يكتب المستقبل
في عالم مضطرب تتسارع فيه التحولات، يبرز الأردن كحالة استثنائية من الثبات الواعي، حيث لا يُرفع العلم فقط احتفاءً بالماضي، بل تأكيداً على المستقبل، إن يوم العلم في عام 2026 يأتي في لحظة إقليمية حساسة، ما يمنحه بعداً إضافياً، يجعل من الراية رسالة سياسية ومعنوية في آنٍ واحد، فالعلم هنا لا يرمز فقط إلى السيادة، بل إلى القدرة على التكيّف، والاستمرار، وصناعة الفرص رغم التحديات، ومع كل رفرفة، يُعلن الأردن أنه لا يقف عند حدود النجاة، بل يتقدم نحو الفعل والتأثير، إنها راية لا تُختصر في يوم، بل تمتد كخط استراتيجي في مسار دولة تعرف أين تقف، وإلى أين تمضي، وهكذا، يصبح يوم العلم ( ليس ذكرى، بل نقطة انطلاق متجددة نحو الغد ).