في أكثر الجرائم الأسرية قسوة، لا تكون الصدمة فقط في الفعل ذاته، بل في السؤال الذي يلاحقنا بعد ذلك: كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف يمكن لشخص يُفترض أن يكون مصدر الأمان لأطفاله أن يتحول إلى مصدر تهديد حقيقي لحياتهم؟
الحقيقة الصعبة التي لا يرغب كثيرون في مواجهتها هي أن مثل هذه الجرائم نادراً ما تولد من فراغ. في الغالب، تسبقها إشارات، سلوكيات مقلقة، ومشكلات واضحة يتم تجاهلها أو التغطية عليها. خلف الأبواب المغلقة، قد تكون هناك معاناة مستمرة، وأطراف تحاول النجاة وحدها دون دعم حقيقي.
في بعض الحالات، تجد الأم نفسها في مواجهة الخطر بمفردها، تحاول حماية أطفالها في ظل غياب تدخل فعّال من المحيط العائلي. وهنا يبرز تساؤل مشروع: أين كان دور الأسرة الممتدة؟ ماذا عن الأهل الذين قد يكونون على دراية بمشكلات خطيرة لدى أحد الأبناء، لكنهم يفضلون الصمت حفاظاً على الصورة الاجتماعية؟
ثقافة “الستر” عندما تتحول إلى إنكار، قد تكون شريكاً غير مباشر في صناعة الكارثة. فالتغطية على اضطرابات نفسية، أو سلوكيات عنيفة، أو حتى تعاطي مواد مؤذية، لا تعالج المشكلة، بل تؤجل انفجارها. والزواج، في هذه الحالة، لا يكون حلاً، بل قد يتحول إلى مضاعفة للأذى، حيث يُدفع طرف آخر—وأطفال لاحقًا—لدفع الثمن.
ولا تقف المسؤولية عند حدود المجتمع فقط، بل تمتد إلى بُعدٍ أعمق؛ بُعدٍ أخلاقي وديني. فكل من رأى مؤشرات خطر حقيقية، أو عَلِم بوجود ظلم أو أذى، ثم اختار الصمت، يتحمل جزءاً من المسؤولية. فالصمت عن الحق ليس حياداً، بل موقف، وقد يكون ثمنه أرواحاً بريئة. إن التغاضي عن الأذى خوفاً من المواجهة أو حفاظاً على المظاهر، لا يعفي أحداً من المساءلة، لا أمام ضميره ولا أمام الله.
ومن المهم أن ندرك أن الجريمة لا تبدأ عند القتل فقط. فهناك جرائم صامتة تُرتكب كل يوم داخل بعض البيوت، لا تُرى بالعين لكنها تترك ندوباً عميقة في النفس. حين يعيش الطفل في بيئة يسودها الإهمال العاطفي، أو الأنانية، أو القسوة المستمرة، فإنه يتعرض لنوع آخر من “القتل” ،قتل بطيء لسلامه النفسي وثقته بنفسه. بعض الآباء أو الأمهات قد يظنون أن توفير الاحتياجات المادية كافٍ، متناسين أن أبناءهم بحاجة إلى احتواء، واهتمام، وشعور بالأمان.
كما أن مفهوم “البر” لا يجب أن يكون باتجاه واحد فقط. فكما يُطلب من الأبناء برّ والديهم، فإن على الآباء أيضاً مسؤولية عظيمة في رعاية أبنائهم نفسياً ومعنوياً قبل أي شيء آخر. العلاقة الأسرية ليست قائمة على الواجبات من طرف واحد، بل على توازن من الحقوق والمسؤوليات، وسيُسأل كل طرف عن دوره فيها.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير بجدية في مفهوم الجاهزية للزواج. فالأمر لا يتعلق فقط بالقدرة المادية أو الاجتماعية، بل بالاستقرار النفسي والسلوكي. كما أن تعزيز الوعي بأهمية التقييم النفسي قبل الزواج، وتوفير قنوات دعم حقيقية، قد يساهم في الحد من حالات تنتهي بمآسي.
كذلك، فإن تفعيل دور الجهات المختصة بحماية الأسرة أمر ضروري، خاصة في الحالات التي تظهر فيها مؤشرات خطر واضحة. التدخل المبكر ليس تدخلاً في الخصوصيات بقدر ما هو حماية للأرواح، خصوصاً عندما يكون الأطفال في دائرة الخطر.
في النهاية، لا يمكن اختزال المأساة في لحظة وقوع الجريمة فقط، بل في كل لحظة صمت سبقتها. فكل من رأى مؤشراً وتجاهله، وكل من عرف بحقيقة مؤلمة وفضّل السكوت، وكل من قدّم صورة المجتمع على حساب سلامة إنسان، هو جزء من هذه السلسلة التي تنتهي بكارثة.
المسؤولية هنا لا تقف عند حدود فرد واحد، بل تمتد إلى أسرة كاملة، ومجتمع كامل، ومؤسسات يُفترض أن تحمي لا أن تكتفي بالمشاهدة. فالصمت أحياناً ليس حياداً ، بل مشاركة غير مباشرة في صناعة الألم.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة:
كم من المآسي كان يمكن أن لا تحدث لو أننا اخترنا مواجهة الحقيقة بدل تجميلها؟ وكم من الأرواح كانت ستنجو لو أن كلمة “لا” قيلت في الوقت المناسب بدل أن تُقال كلمة “كان يجب أن نتكلم” بعد فوات الأوان؟