جيل بيتا(β) : ملامح المستقبل ومتطلبات الاستعداد لعالم جديد

mainThumb
جيل بيتا(β) : ملامح المستقبل ومتطلبات الاستعداد لعالم جديد

20-05-2026 01:13 PM

printIcon

د. ماهر سليمان الزيادات

يشهد العالم اليوم تحولات عميقة لم يشهدها منذ قرن، ليس فقط على مستوى التقلبات السياسية والأمنية وبروز أزمات وقضايا عالمية مثل تغير المناخ ومشكلات الأمن الغذائي، وإنما أيضاً تحديات جديدة أمام التنمية البشرية ككل.

في الأول من يناير عام 2025، لم يكن الأمر مجرد بداية عام جديد، بل كان إعلاناً عن ولادة جيل مختلف تماماً في ملامحه وتحدياته، وهو جيل بيتا (β)، الذي سيضم المواليد بين عامي 2025 و2038. هذا الجيل، الذي يُتوقع أن يشكل نحو 18% من سكان العالم بحلول عام 2050، لن يكون مجرد امتداد للأجيال السابقة، بل يمثل نقطة تحول حقيقية في تاريخ البشرية.

لم يعد تعريف الأجيال قائماً فقط على التسلسل الزمني، بل أصبح مرتبطاً بالتحولات الكبرى التي تشكل العالم، ويعكس دخولنا مرحلة جديدة تتداخل فيها التكنولوجيا مع الحياة اليومية بشكل غير مسبوق. يمثل جيل بيتا عصراً جديداً، حيث ستلعب الخوارزميات دوراً محورياً في تشكيل حياة الأفراد، من التعليم إلى العمل وحتى العلاقات الاجتماعية.

سينشأ جيل بيتا في عالم تختفي فيه الفواصل بين الواقعين الرقمي والمادي. وإذا كان جيل ألفا (المواليد من عام 2010 وحتى 2024) قد شهد عصر تطور الذكاء الاصطناعي، فإن جيل بيتا سيعيش في بيئة تُدمج فيها هذه التقنيات وتطبيقاتها اللامتناهية في كل تفاصيل الحياة. في هذا العالم، سيحصل كل طالب على تعليم مخصص وفق قدراته واهتماماته، وستعتمد الوظائف بشكل متزايد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وستقوم الرعاية الصحية على تحليل البيانات اللحظية، وستنتشر وسائل النقل ذاتية القيادة، وستصبح البيئات الافتراضية جزءاً من الحياة اليومية. بمعنى آخر، لن يعيش هذا الجيل مع التكنولوجيا… بل ستصبح التكنولوجيا بيئة وحياة يعيش داخلها بالكامل.

لكن هذا التحول يطرح تحدياً جوهرياً، إذ لم يعد التحدي في الوصول إلى التكنولوجيا، بل في القدرة على بنائها وتطويرها. وفي هذا السياق، يمتلك الأردن ميزة ديموغرافية مهمة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 63% من السكان، البالغ عددهم حوالي 12 مليون نسمة، هم دون سن الثلاثين، ما يمنحه فرصة استراتيجية ليكون جزءاً من هذا التحول العالمي والاستعداد لبناء جيل بيتا. كما أن نسبة انتشار الإنترنت تتجاوز 89%، واستخدام الهواتف الذكية يتخطى 80%، ويساهم قطاع تكنولوجيا المعلومات بما يقارب 3 إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك فجوة واضحة بين الاستخدام الرقمي والاستخدام الإنتاجي والابتكاري للتكنولوجيا.

هنا تكمن نقطة التحول الحقيقية في الحالة الأردنية: هل سنبقى مستخدمين للتكنولوجيا فقط، أم سنتجه نحو إنتاجها وتطويرها بما يخدم اقتصادنا ويعزز تنافسيتنا؟
تشير التقديرات إلى أن 65% من طلاب اليوم سيعملون في وظائف لم تُخلق بعد، ما يفرض إعادة التفكير جذرياً في منظومة التعليم المدرسي والجامعي، والتحول من التلقين إلى التفكير النقدي، ومن الحفظ إلى حل المشكلات، ومن نقل المعرفة إلى صناعة الابتكار المرتبط بالبحث العلمي التطبيقي . تشير التقديرات العالمية إلى أن أكثر من 70% من الوظائف المستقبلية ستتطلب مهارات رقمية متقدمة، وأن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما يقارب 15 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030. وهذا يعني أن التكنولوجيا لن تكون خياراً، بل شرطاً أساسياً للحياة والعمل.

كما أن نجاح جيل بيتا، الذين ستلتحق طلائعهم بعد بضع سنوات بمقاعد الدراسة، سيعتمد بشكل مباشر على توفر بنية تحتية رقمية متقدمة تشمل شبكات اتصال حديثة، وخدمات حكومية رقمية متكاملة، وبنية تعليمية قائمة على تسخير التكنولوجيا لبناء قدرات مستقبلية ومهارات تفاعلية تلبي متطلبات العصر الجديد، خاصة وأن الدول التي تستثمر في التحول الرقمي تحقق زيادات في الإنتاجية قد تصل إلى 25%.
وفي هذا الإطار، لم يعد دور الحكومات يقتصر على تقديم الخدمات، بل أصبح يتمحور حول بناء منظومة رقمية متكاملة قائمة على سياسات داعمة للابتكار، وشراكات فاعلة مع القطاع الخاص، واستثمارات طويلة المدى في التكنولوجيا، وتمكين الشباب من أدوات المستقبل. فالتحول الرقمي لم يعد خياراً، بل شرطاً أساسياً لبقاء الاقتصاد قادراً على المنافسة. وفي موازاة ذلك، لم يعد الاقتصاد المستقبلي قائماً على الموارد التقليدية، بل على المعرفة والابتكار، ما يتطلب دعماً حقيقياً للشركات الناشئة، والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.

في المقابل، لن يرث جيل بيتا التكنولوجيا فقط، بل سيواجه أيضاً تحديات عالمية معقدة، مثل التغير المناخي، وضغوط الموارد، والتحولات الاقتصادية، في عالم يشهد تصاعداً في الحماية التجارية، وتكرار أزمات الأمن الغذائي، وزيادة حالة عدم اليقين في النظام العالمي.

لكن هذا الجيل سيكون، في الوقت ذاته، أكثر وعياً بالاستدامة، وأكثر قدرة على توظيف التكنولوجيا لحل المشكلات، وأكثر انفتاحاً على التعاون العالمي. ومن المتوقع أن يعيد تشكيل الاقتصاد من خلال تسريع نمو الاقتصاد الرقمي، وزيادة الإنتاجية عبر الأتمتة، وتوسيع نطاق ريادة الأعمال التقنية، في وقت قد تختفي فيه نسبة كبيرة من الوظائف التقليدية خلال العقود القادمة.

وعلى المستوى الاجتماعي، ينشأ جيل بيتا على يد آباء من جيل الألفية (1981–1996)والجيل(1997–2012) Z ، وهم الأكثر وعياً بتأثير التكنولوجيا، والمطالبين بتحقيق توازن بين الاستفادة منها والحماية من آثارها، من خلال تعزيز التفاعل الواقعي وبناء هوية رقمية آمنة لأبنائهم. هذا التوازن سيساهم في تشكيل جيل أكثر وعياً واستقلالية وقدرة على اتخاذ قرارات ذكية.

ورغم أن هذا الجيل سيعيش في عالم متصل دائماً، إلا أن مفهوم العلاقات والانتماء سيتغير، حيث سيجمع بين المجتمعات الرقمية العالمية والتجارب الواقعية المحلية، مع إعادة تعريف معنى الهوية والانتماء في سياق أكثر مرونة وتنوعاً.

في النهاية، لا يمثل جيل بيتا مجرد جيل جديد، بل بداية مرحلة جديدة من التاريخ البشري، تتقاطع فيها التكنولوجيا مع التحديات العالمية والقيم الإنسانية. والسؤال الحقيقي لم يعد كيف سيتكيف هذا الجيل مع المستقبل والتكنولوجيا، بل: هل نحن مستعدون في الأردن، على مستوى المؤسسات والتشريعات والاستراتيجيات، لبناء نظام تعليمي واقتصادي وتكنولوجي يمكّن جيل بيتا من قيادة المستقبل؟
إن الاستثمار في جيل بيتا اليوم ليس خياراً استراتيجياً فحسب، بل هو استثمار مباشر في مستقبل الأردن وقدرته على المنافسة في عالم سريع التغير.