أخبار اليوم - وسن المناصير - لم تعد قروبات النساء على فيسبوك مجرد مساحات افتراضية لتبادل النصائح أو طرح الأسئلة اليومية، بل تحولت عند كثير من المستخدمات إلى جزء شبه يومي من تفاصيل الحياة الاجتماعية، حيث تمتزج الاستشارات الشخصية بالمواقف العاطفية والقرارات المصيرية، في فضاء رقمي مفتوح على آراء الغرباء قبل الأقارب، وعلى دعم قد يتحول أحياناً إلى حكم أو مقارنة أو حتى ضغط غير مباشر.
داخل هذه القروبات، تتكرر مشاهد متشابهة: امرأة تطرح سؤالاً عن قرار زواج، أخرى تطلب نصيحة في خلاف أسري، وثالثة تبحث عن دعم نفسي بعد تجربة شخصية صعبة، لكن ما يبدأ كطلب مساعدة قد يتحول سريعاً إلى سيل من التعليقات المتباينة، بين من يقدّم نصيحة من واقع تجربة، ومن يطلق حكماً حاداً، ومن يقارن بين الظروف الاجتماعية والمعيشية دون معرفة كاملة بالتفاصيل.
إحدى السيدات من عمّان، فضّلت عدم ذكر اسمها، تقول إنها دخلت هذه القروبات بحثاً عن “صوت يشبهها” في مرحلة كانت تشعر فيها بالضغط والوحدة، لكنها لاحظت مع الوقت أن بعض النقاشات تتحول إلى ما يشبه “محاكمة علنية” للخيارات الشخصية. وتضيف: “أحياناً كنت أطرح سؤالاً بسيطاً، فأجد نفسي أمام عشرات التعليقات التي تجعلني أشك في قراري أكثر مما تساعدني على فهمه”.
في المقابل، ترى أخريات أن هذه القروبات تمثل مساحة دعم حقيقية يصعب إيجادها في الواقع الاجتماعي، خاصة للنساء اللواتي لا يجدن دائماً من يشاركنه تفاصيل حياتهن اليومية دون أحكام مسبقة. تقول إحدى المشاركات إن هذه المجموعات “خففت عنها كثيراً” خلال فترة صعبة، مشيرة إلى أن وجود نساء من خلفيات مختلفة يتيح تنوعاً في التجارب والنصائح قد لا يتوفر في الدائرة الاجتماعية الضيقة.
لكن هذا الرأي لا يخلو من تحفظات لدى مراقبين للشأن الاجتماعي، إذ يشير أحد المختصين في علم الاجتماع إلى أن هذه القروبات تعكس في جوهرها تحولات أوسع في المجتمع، حيث انتقلت المساحات الخاصة إلى العلن الرقمي، وأصبحت التجارب الشخصية مادة للنقاش المفتوح. ويضيف أن “المقارنة الاجتماعية” داخل هذه البيئات الرقمية أصبحت أكثر حدة بسبب عرض تفاصيل الحياة اليومية بشكل انتقائي، ما يخلق صورة غير متوازنة عن حياة الآخرين، ويزيد من مستويات القلق وعدم الرضا لدى بعض المستخدمات.
ويذهب مختصون في الإرشاد النفسي إلى أن خطورة هذه القروبات لا تكمن في وجودها بحد ذاتها، بل في طريقة التفاعل داخلها، حيث قد تتحول النصيحة إلى ضغط، والدعم إلى تدخل مباشر في قرارات حساسة مثل الزواج أو الانفصال. ويؤكد هؤلاء أن غياب المعرفة الكاملة بسياق الحالة يجعل بعض التعليقات أقرب إلى الانطباع السريع منها إلى الاستشارة المبنية على فهم حقيقي.
في المقابل، لا تتفق جميع الأصوات على هذا التوصيف، إذ يرى البعض أن تحميل هذه القروبات مسؤولية الضغط النفسي مبالغ فيه، وأن المشكلة الأساسية تكمن في الاستخدام الفردي وطريقة استقبال الآراء، وليس في المنصة نفسها. ويشير هؤلاء إلى أن كثيراً من المشاركات يجدن في هذه المجموعات مساحة “تفريغ آمن” بعيداً عن القيود الاجتماعية التقليدية، حيث يمكن الحديث عن قضايا كانت تُعتبر في السابق من المسكوت عنها.
ومع اتساع استخدام هذه القروبات ، تتداخل أيضاً جوانب أخرى مثل الإعلانات غير الرسمية، والعروض التجارية، وحتى منشورات طلب الزواج أو التعارف، ما يضيف طبقة جديدة من الجدل حول حدود هذه الفضاءات الرقمية، وهل ما زالت كما بدأت كمجتمعات دعم، أم أنها تحولت إلى منصات اجتماعية مفتوحة تعكس كل تناقضات الواقع الاجتماعي نفسه.
وبين من يراها مساحة ضرورية للتعبير والدعم، ومن يعتبرها بيئة تعيد إنتاج المقارنة والضغط الاجتماعي بشكل أكثر حدّة، تبقى قروبات النساء على فيسبوك مرآة معقدة لتحولات الحياة الاجتماعية ، حيث تختلط الخصوصية بالعلن، والدعم بالنقد، والتجربة الفردية بصوت الجماعة، في فضاء لا يخضع دائماً لقواعد واضحة بقدر ما يعكس نبضاً اجتماعياً متغيراً باستمرار.