ديوك تعشق القمة والسقوط .. حكاية فرنسا مع كأس العالم

mainThumb
ديوك تعشق القمة والسقوط.. حكاية فرنسا مع كأس العالم

01-06-2026 01:50 PM

printIcon

أخبار اليوم - المنتخب الفرنسي مرشح فوق العادة في أمريكا

يدخل منتخب فرنسا كأس العالم 2026 وهو يحمل واحدة من أكثر السير الذاتية تذبذبا في تاريخ المونديال، بين مجد التتويج مرتين ومرارة خسارة نهائيين وسقطات مدوية في دور المجموعات.

ويمكن القول إن حكاية فرنسا مع المونديال هي مزيج من القمم العالية والهاويات المفاجئة، من زيدان 1998 إلى مبابي 2018 ودراما نهائي 2022.



بدايات متقطعة ومحاولات مبكرة
كانت فرنسا من بين المنتخبات الأوروبية الأربعة التي شاركت في أول نسخة للمونديال عام 1930، لكنها خرجت من الدور الأول رغم فوزها الافتتاحي على المكسيك 4-1.

في نسختي 1934 و1938 اكتفت فرنسا بالوصول إلى ثمن النهائي ثم ربع النهائي على أرضها، قبل أن تغيب عن عدة نسخ لاحقة إما لفشل التأهل أو الانسحاب كما حدث في 1950.

ظل المنتخب الفرنسي حاضرا دون أن يلمس قمة العالم، إلى أن بدأت ملامح فريق قوي في الظهور مع الخمسينيات، حيث حصد المركز الثالث في نسخة 1958 بفضل أهداف الأسطورة جوست فونتين.

جيل بلاتيني وبداية هوية الكبار
في الثمانينيات، قاد ميشيل بلاتيني جيلا ذهبيا أوصل فرنسا إلى نصف النهائي في مونديالي 1982 و1986، لتحصد المركز الرابع ثم الثالث على التوالي وتثبت أنها أصبحت قوة عالمية حقيقية.

جاء مشوار 1982 مليئا بالدراما، أبرزها الخسارة أمام ألمانيا الغربية بركلات الترجيح في نصف النهائي بعد مباراة تاريخية انتهت 3-3 في الوقتين الأصلي والإضافي.

وفي 1986 واصل نفس الجيل تألقه، فأقصى البرازيل وبلغ نصف النهائي قبل أن يكتفي مجددا بالمركز الثالث، ليترسخ في الذاكرة أن فرنسا قريبة جدا من اللقب دون أن تلمسه بعد.

تتويج 1998.. ولادة فرنسا الحديثة
تغيرت الحكاية جذريا على أرض فرنسا في مونديال 1998، حين استغل جيل زين الدين زيدان والمدرب إيميه جاكيه أفضلية الأرض والجمهور للتتويج بأول كأس عالم في تاريخ البلاد.

تخطى الديوك البرازيل في النهائي بثلاثية نظيفة في ستاد دو فرانس، بهدفي زيدان من ضربتي رأس وهدف ثالث لإيمانويل بيتي، في ليلة صنعت الهوية الحديثة للمنتخب الفرنسي كنموذج للتنوع والقوة التكتيكية.

هذا التتويج جعل فرنسا سادس منتخب يتوَّج بالمونديال، ورسخ صورة زيدان كأيقونة جيل كامل، ووضع سقفا جديدا لتطلعات الجماهير في البطولات التالية.

خيبة 2002 ودراما برلين 2006
دخلت فرنسا مونديال 2002 في كوريا واليابان حاملة للقب ومرشحة كبيرة، لكنها عاشت واحدة من أسوأ مشاركات حامل لقب في التاريخ بالخروج من الدور الأول دون تسجيل أي هدف.

بعدها بأربع سنوات، نهض الفريق مجددا في ألمانيا 2006 بقيادة زيدان والجيل المخضرم، وبلغ النهائي بعد إقصاء إسبانيا والبرازيل والبرتغال في طريق مثالي نحو اللقب المنشود الثاني.

لكن الحكاية تحولت إلى مأساة كروية في نهائي برلين أمام إيطاليا، فبعد تعادل 1-1 وركلة جزاء شهيرة من زيدان انتهت المباراة بركلات الترجيح وخسارة فرنسا اللقب، وزادت مرارة المشهد بحادثة طرد زيدان بعد نطح ماركو ماتيراتزي في آخر مباراة له دوليا.

سقوط ثم ملامح صعود
رغم الوصول إلى نهائي 2006، انهارت فرنسا مجددا في مونديال 2010 بجنوب أفريقيا، حيث غادرت من دور المجموعات وسط أزمات داخلية وتمرد لاعبين، لتصنَّف المشاركة كواحدة من أسوأ الفصول في تاريخ الديوك.

في 2014 بالبرازيل ظهرت ملامح التجديد مع جيل جديد تحت قيادة ديدييه ديشامب، فوصلت فرنسا إلى ربع النهائي قبل أن تودع أمام ألمانيا، لكن الأداء أعاد الإيمان بقدرة هذا الجيل على المنافسة على الألقاب الكبرى.

ذهب روسيا وملحمة قطر
في روسيا 2018 وصلت فرنسا إلى قمة مشروع ديشامب، فتوجت باللقب الثاني في تاريخها بعد الفوز على كرواتيا 4-2 في نهائي مثير، بفضل جيل على رأسه الساحر أنطوان جريزمان، الذي نال المركز الثالث في ترتيب الكرة الذهبية في ذلك العام، إضافة للجناح الأيمن الواعد كيليان مبابي، ومتوسط الميدان المبهر بول بوجبا والنحلة نجولو كانتي.

تميز ذلك المنتخب بالانضباط التكتيكي والقدرة على استغلال الانتقالات السريعة، وجعل من جريزمان أحد أبرز نجوم العالم بعد تألقه الكبير في الأدوار الإقصائية والنهائي.

في قطر 2022، عاد الديوك إلى النهائي للمرة الثانية تواليا والرابعة في تاريخهم، وخاضوا واحدة من أعظم مباريات النهائيات أمام الأرجنتين، قبل أن يخسروا بركلات الترجيح بعد تعادل 3-3، في مباراة وتألق فيها كيليان مبابي بهاتريك تاريخي.

طريق فرنسا إلى مونديال 2026
دخلت فرنسا تصفيات كأس العالم 2026 ضمن المجموعة الأوروبية الرابعة إلى جانب أوكرانيا وآيسلندا وأذربيجان، في مجموعة تبدو نظريا بمتناول بطل العالم السابق ولكن مع منافسة قوية من أوكرانيا وآيسلندا.

حسم الديوك صدارة المجموعة بوضوح، بعدما حققوا 5 انتصارات وتعادلا واحدا دون أي خسارة، مسجلين 16 هدفا ومستقبلين 4 فقط، ليجمعوا 16 نقطة ويتأهلوا مباشرة للمونديال.

لعب كيليان مبابي دور الهداف الأول في التصفيات بتسجيله 5 أهداف، من بينها ثنائية في الفوز الكبير 4-0 على أوكرانيا في باريس، ما أكد استمرار تأثيره الحاسم على هجوم المنتخب.

مجموعة فرنسا في كأس العالم 2026
أوقعت قرعة مونديال 2026 المنتخب الفرنسي في المجموعة التاسعة إلى جانب السنغال والنرويج والعراق، في مجموعة تبدو متوازنة تجمع بين القوة الأفريقية والحماس الآسيوي والنجومية الأوروبية.

يدخل الديوك البطولة كأحد أعلى المنتخبات تصنيفا عالميا وكمرشح بارز للتتويج الثالث، مع كون هذه النسخة الأخيرة للمدرب ديدييه ديشامب على رأس العارضة الفنية للمنتخب.

تبدأ فرنسا مشوارها أمام السنغال في ملعب ميتلايف بنيوجيرسي، ثم تواجه العراق في فيلادلفيا قبل أن تصطدم بالنرويج ونجميها هالاند وأوديجارد في مباراة قد تحسم صدارة المجموعة.

كتيبة النجوم
يمتلك منتخب فرنسا ترسانة كاملة من النجوم في كل المراكز، يتقدمهم أفضل لاعب في العالم عثمان ديمبلي، وكيليان مبابي نجم ريال مدريد، ومايكل أوليسي جناح بايرن ميونخ، إلى جانب أسماء صاعدة مثل ديزيريه دوي وبرادلي باركولا وريان شرقي.

في الوسط يعتمد ديشامب على ثنائي قوي مكون من أوريلين تشواميني ونجولو كانتي أو أدريان رابيو، مع واعد كبير اسمه وارن زير إيمري.

دفاعيا، تشكل أسماء مثل ويليام ساليبا ودايوت أوباميكانو وإبراهيما كوناتي وجول كوندي مع الظهير الهجومي ثيو هيرنانديز واحدا من أقوى خطوط الدفاع في العالم، يحميهم الحارس مايك ماينان كخليفة لهوجو لوريس.

القيادة الفنية وفلسفة ديشامب
يتولى ديدييه ديشامب تدريب المنتخب الفرنسي منذ 2012، وخلال تلك الفترة قاد الديوك للفوز بكأس العالم 2018 والوصول إلى نهائي 2022، إلى جانب نهائي يورو 2016، ليصبح أحد أنجح مدربي المنتخبات في العصر الحديث.

ديشامب هو أيضا بطل عالم كلاعب وقائد لفرنسا في 1998، ما يمنحه وزنا كبيرا داخل غرفة الملابس وقدرة على إدارة النجوم والتعامل مع ضغوط البطولات الكبرى.

فنّيا، يميل ديشامب إلى مزيج من الواقعية الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع أولوية واضحة للصلابة والتنظيم قبل إطلاق العنان للسرعات في الأمام.

طريقة اللعب
تعتمد فرنسا غالبا على رسم 4-2-3-1 أو 4-3-3، مع حرية كبيرة لمبابي في التحرك بين الجناح الأيسر والعمق للاستفادة من سرعته في المساحات خلف الدفاع.

يراهن ديشامب على ثنائي ارتكاز قوي دفاعيا، لتأمين العمق ومنح الحرية للأجنحة وصانع اللعب للهجوم دون المساس بالتوازن.

في بعض المباريات، خصوصا أمام فرق متكتلة، يظهر المنتخب بشكل أقرب إلى 4-2-4 هجومية مع تقدم الأظهرة وثبات ثنائي الوسط، ما يجعل فرنسا خطيرة جدا في التحولات والكرات الطولية خلف الخطوط.

نقاط القوة.. عمق لا ينتهي وخبرة النهائيات
أول عناصر قوة فرنسا تتمثل في جودة العمق البشري، إذ يملك المنتخب أكثر من خيار مميز في كل مركز تقريبا، ما يسمح بإدارة الإرهاق والإصابات في بطولة طويلة وممتدة مثل نسخة 2026.

ثاني نقاط القوة هي عامل الخبرة، فمعظم نجوم الفريق خاضوا أدوارا متقدمة في مونديالي 2018 و2022، ويعرفون كيف يتعاملون مع ضغوط المباريات الإقصائية والنهائيات.

ثالثا، يشكل وجود ثلاثي بحجم ديمبلي وأوليسي ومبابي فارقا حاسما، فهو قادر على تغيير مجرى المباريات بلقطة واحدة، خاصة في التحولات السريعة والمواجهات المباشرة مع المدافعين.

إلى جانب ذلك، تمنح المرونة التكتيكية ديشامب القدرة على تغيير شكل الفريق بين اللعب بالاستحواذ أو الاعتماد على المرتدات والضغط المتوسط، ما يجعل التحضير لمواجهة فرنسا كابوسا لأي مدرب منافس.

ضغط التوقعات
رغم هذا الزخم من النجوم، عانى المنتخب في فترات سابقة من لحظات تراخٍ دفاعي، خاصة عندما يتقدم الفريق بعدة أهداف أو يندفع أفراده للأمام، وهو أمر قد يكون مكلفا في الأدوار الإقصائية أمام مهاجمين من طراز هالاند أو نجوم أفريقيا وأمريكا الجنوبية.

ضغط التوقعات يمثل تحديا آخر، فمنتخب توج مرتين وبلغ النهائي في النسخة الأخيرة سيدخل 2026 تحت شعار "اللعب من أجل اللقب فقط"، وهو عبء ذهني قد ينعكس على أداء بعض اللاعبين في اللحظات الحرجة.

إضافة إلى ذلك، فإن إدارة غرفة ملابس مليئة بنجوم الأندية الأوروبية الكبرى ليست مهمة سهلة، ويحتاج ديشامب إلى موازنة دقائق اللعب والأدوار حتى لا تتحول المنافسة الداخلية إلى مصدر توتر.

بهذه الخلفية الغنية بين المجد والخيبات، يدخل منتخب فرنسا مونديال 2026 وهو يعرف جيدا طريق النهائي، لكنه يدرك أيضا أن التفاصيل الصغيرة واللحظات الذهنية الحاسمة هي ما يفصل بين رفع الكأس الثالثة أو كتابة فصل جديد من دراما الديوك في كأس العالم.