هل أصبح العنف هو الحل الأسرع للخلافات؟

mainThumb
هل أصبح العنف هو الحل الأسرع للخلافات؟

07-06-2026 03:06 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - تثير حوادث العنف التي تشهدها بعض المجتمعات بين الحين والآخر تساؤلات متزايدة حول طبيعة التحولات الاجتماعية التي دفعت البعض إلى اللجوء للقوة في مواجهة الخلافات اليومية، سواء كانت خلافات عائلية أو نزاعات بين الجيران أو مشاجرات في الشوارع وأماكن العمل وحتى عبر منصات التواصل الاجتماعي التي باتت في أحيان كثيرة ساحة لتبادل التهديدات والتصعيد قبل انتقالها إلى الواقع. وبين من يرى أن العنف أصبح خياراً سريعاً لدى فئات من المجتمع لحسم النزاعات، ومن يعتبر أن الظاهرة لا تزال محدودة لكنها تحظى باهتمام إعلامي واسع، يبقى السؤال مطروحاً حول الأسباب الحقيقية وراء هذا السلوك وتداعياته على الأمن المجتمعي.

ويقول مواطنون إنهم باتوا يلاحظون تراجعاً في ثقافة الحوار مقابل تصاعد مظاهر الانفعال والتوتر في التعامل مع الخلافات اليومية. ويرى أحدهم أن ما كان يُحل سابقاً بالنقاش أو باللجوء إلى الوجهاء أو المؤسسات المختصة أصبح في بعض الحالات يتحول بسرعة إلى مشادات كلامية أو اشتباكات، مشيراً إلى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها الأفراد قد تكون عاملاً مهماً في زيادة مستويات التوتر والغضب.

مواطن آخر يعتقد أن المشكلة لا تتعلق فقط بالظروف المعيشية، بل أيضاً بتغيرات ثقافية وسلوكية طرأت على المجتمع خلال السنوات الأخيرة. ويقول إن بعض الأشخاص باتوا ينظرون إلى التراجع أو التسامح في الخلافات على أنه ضعف، الأمر الذي يدفعهم إلى إظهار القوة أو التشدد حتى في المواقف التي لا تستدعي ذلك، مضيفاً أن هذا النهج يخلق دائرة متواصلة من النزاعات التي يصعب احتواؤها لاحقاً.

في المقابل، يرى مراقبون أن الحديث عن تحول العنف إلى وسيلة رئيسية لحل الخلافات قد يكون مبالغاً فيه إلى حد ما، مؤكدين أن غالبية النزاعات لا تزال تُحل بطرق سلمية وقانونية، وأن ما يلفت الانتباه هو الحوادث الفردية التي تحظى بانتشار واسع عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل. ويشير هؤلاء إلى أن التركيز على المشاهد العنيفة قد يخلق انطباعاً عاماً بأن الظاهرة أكثر انتشاراً مما هي عليه في الواقع.

لكن مختصين في علم الاجتماع يؤكدون أن تكرار بعض أنماط العنف، حتى وإن لم تكن الغالبية، يستحق الدراسة والاهتمام، لأن المجتمعات تقاس أيضاً بقدرتها على احتواء السلوكيات السلبية قبل أن تتحول إلى ظواهر أوسع. ويشيرون إلى أن غياب مهارات إدارة الخلافات وضعف ثقافة الحوار لدى بعض الفئات، إضافة إلى التأثر بالمحتوى العنيف المنتشر على بعض المنصات الرقمية، كلها عوامل قد تسهم في زيادة احتمالات اللجوء إلى القوة بدلاً من التفاهم.

ويقول مختص في الصحة النفسية إن ردود الفعل العنيفة غالباً ما تكون نتيجة تراكمات من الضغوط والانفعالات غير المعالجة، موضحاً أن بعض الأشخاص يفتقرون إلى الأدوات اللازمة للتعامل مع الغضب أو الإحباط، ما يجعلهم أكثر عرضة للتصرف بشكل اندفاعي عند وقوع الخلافات. ويرى أن تعزيز الوعي النفسي وتوفير برامج التثقيف والتوجيه، خاصة بين فئة الشباب، يمكن أن يسهم في الحد من هذه السلوكيات على المدى الطويل.

من جهة أخرى، يعتقد بعض المتابعين أن القوانين الرادعة وتطبيقها بحزم يمثلان جزءاً أساسياً من الحل، إذ إن شعور الأفراد بوجود محاسبة واضحة وعادلة قد يقلل من فرص اللجوء إلى العنف. بينما يرى آخرون أن الحلول الأمنية والقانونية وحدها لا تكفي ما لم تترافق مع جهود تربوية وتعليمية وإعلامية تعزز قيم الحوار والاحترام المتبادل وقبول الاختلاف.

ويجمع كثيرون على أن الخلافات أمر طبيعي في أي مجتمع، لكن الطريقة التي تُدار بها هذه الخلافات هي التي تحدد مستوى التماسك والاستقرار الاجتماعي. وبين من يرى أن العنف بات حاضراً بشكل مقلق في بعض المشاهد اليومية، ومن يؤكد أن المجتمع لا يزال يمتلك أدواته السلمية في حل النزاعات، تبقى الحاجة قائمة إلى ترسيخ ثقافة الحوار والاحتكام إلى القانون، بما يضمن معالجة الخلافات بعيداً عن الانفعال والتصعيد، ويحافظ على النسيج الاجتماعي من تداعيات قد تكون أكثر كلفة من الخلاف نفسه.