الأديبة سماح العارضة تكتب: كنت أظن

mainThumb

16-06-2026 10:07 PM

printIcon




الأديبةسماح العارضة

كنت أظن أن العوض يأتينا على هيئة باب يُفتح بعد طول انتظار ............
اوامنية تعود لنا بعد أن سلمناها للنسيان أو حياة تربت على كتفنا فجأة ................
لكنني في ذلك المساء فهمت أن العوض أهدأ من ذلك
أهدأ من أن يعلن نفسه......
وأعمق من أن نراه... ونحن نركض خلف ما لم يحدث
كان العوض يجلس معي منذ زمن لكنني لم أكن انتبه
كان في صوت يطمئنني كلما ارتجفت في داخلي
في يد تمتد لتنتشلني قبل أن أطلب
في عين تفهمني قبل أن أشرح
في اشخاص ثابتين في حياتي لايطلبون مقابل ولا يلوحون بتعبهم في وجهي ولا يجعلونني أشعرولو للحظة أن وجودي عبء
كم كنا قساة ونحن نحاسب الحياة على ما أخذته منا
كم مرة جلسنا في زاوية الحزن نعد خساراتنا واحداُ تلو أخر كأننا نملك دفترا أسود لا نفتح غيره
نقول لماذا لم يعطني الله هذا الشيء
لماذا مررت من هنا
لماذا خذلت
لماذا تأخرت
ثم ننسى
ننسى أن الله وهو يأخذ منا طريقاً ليس بطريقنا يمنحنا ..على جانبٍ أخر في نفس الطريق قلبا لا يشبه أحد
ننسى أن بعض النجاة تأتي على هيئة إنسان
إنسان يجلس بجانبك في العتمة لا يملك أن يطفئها لكنه لا يتركك وحدك فيها
وكنت أنا طوال الوقت انظر إلى ما ينقصني
انظر إلى الباب الموارب وانسى الباب المفتوح
كان عقلي كعادته يختار الفقد كعدسة يرى بها كل شيء
كأنني مبرمجة على الغياب
كأنني لا أرى إلا الفراغ الذي تركه ما رحل
لكنني اليوم رأيت
رأيت كم كنت غنية بهم........منذ البداية
رأيت أن في حياتي وجوهاً لو اختفت لانطفأ جزء كامل مني
رأيت أن الحب الحقيقي لا يرفع صوته لا يستعرض نفسه لا يضع شروطا على الطاولة
الحب الحقيقي يبقى
يبقى حين لا نكون خفيفين
يبقى حين نكون متعبين مرتبكين سيئي التعبير مثقلين بما لا نعرف كيف نقوله
وفي وسط كل هذا الامتنان كان هناك وجه واحد يتقدم على كل الوجوه
هي
أختي التي لم تكن أختا فقط
كانت منذ عرفتها شيئا أكبر من الاسم
كانت أمي حين أحتاج إلى دلال لا يعرفه أحد
وصديقتي حين أحتاج إلى أن أخلع وجهي القوي وأجلس كما أنا
وسندي حين تتعب الطرقات من حملي
كانت اليد التي لا تتأخر والصوت الذي يعرف كيف يلم خوفي والقلب الذي كلما ظننت أنني فهمته اكتشفت أنه أوسع
كنت أظنني أعرف محبتها
كنت أظن أنني أعرف معنى أن تكون في حياتك امرأة تشبه البيت
امرأة لا تسأل كثيرا لكنها تحضر كثيرا
امرأة إن ضاقت بك الدنيا وجدت في وجودها مساحة تتنفس منها
لكنني لم أكن أعرف شيئا
لم أعرف حجم قلبها إلا حين انكسر قلبها
حين مرت بما لا يقال
بما لا تستطيع اللغة أن تحمله دون أن تنحني
بما يجعل الإنسان يفقد صوته وملامحه وقدرته على أن يكون عاديا من جديد
فقدت ابنها
وأنا كلما كتبت هذه الجملة شعرت أن الحروف تخونني
كيف يمكن لجملة قصيرة أن تحمل هذا القدر من الانهيار
كيف يمكن لكلمتين أن تفتحا بابا على وجع لا نهاية له
كيف يمكن لقلب أم أن يستمر بالنبض بعد أن ينتزع منه جزء لا يعود
لم أكن أعرف ماذا أفعل
كنت أريد أن أرجع الزمن بيدي
أن أوقف تلك اللحظة قبل أن تحدث
أن أضع جسدي بين قلبها وبين الفقد
أن أحمل عنها ولو جزءا صغيرا من هذا الوجع أن أقول للسماء خذوا مني شيئا أي شيء لكن أعيدوا لها ما لا يعوض
لكن الزمن لا يعود
والذين يرحلون لا يعودون كما نريد
يبقون في الصور في الرائحة في الفراغ في الأشياء الصغيرة التي تصبح فجأة أكبر من الاحتمال
يبقون في الاسم حين يقال وفي الصمت حين لا نستطيع قوله
ومنذ ذلك اليوم وأنا أرتبك أمامها
لم أعد أعرف كيف أحكي
كل الكلمات تبدو قليلة
كل المواساة تبدو وقحة أمام وجع بهذا الحجم
أخاف أن أقول شيئا فيزيد الألم
وأخاف أن أصمت فيظن قلبها أنني بعيدة
فأبقى معلقة بين الكلام والصمت
أريد أن أحتضنها طويلا أطول مما يسمح الوقت أطول مما تسمح الحياة
أريد أن أجلس عند عتبة قلبها وأحرسه من كل وجع إضافي
أريد أن أقول لها إنني هنا حتى حين لا أعرف كيف أكون هنا
إنني أحبها حتى حين يعجز لساني عن ترتيب المحبة في جملة
إنني موجوعة لها وبها ومنها ومن عجزي أمامها
لكن ما كسرني حقا لم يكن وجعها وحده
ما كسرني أنها رغم كل ذلك ما زالت تعطي
ما زالت تلتفت لمن حولها
ما زالت تسأل تطمئن تحب تقترب تمنح من قلب يفترض أنه تعب من النزف
ما زالت تمد يدها وهي المكسورة
وما زالت تفتح قلبها مع أن الحياة لم ترحمه
أي قلب هذا
أي روح تستطيع أن تصاب بكل هذا الفقد ثم تبقى قادرة على الحب
هناك بشر يمرون في الحياة كأنهم دليل صامت على أن الله لم يترك الأرض تماما
بشر لا يشبهون البشر
تراهم فتشعر أن فيهم شيئا من الرحمة الأولى من الضوء الأول من الحنان الذي لا يفسر
وهي كانت كذلك
ملاك على هيئة امرأة
لا أقولها مبالغة ولا لأنني أحبها فقط
أقولها لأنني رأيت بعيني كيف يمكن لإنسانة مكسورة أن تكون ملجأ لغيرها
كيف يمكن لمن يحمل وجعا أكبر من الجبال أن يسأل عن تعبك الصغير دون أن يشعرك بالخجل
كيف يمكن لقلب فقد ما لا يعوض أن يظل واسعا بما يكفي ليحبنا نحن بكل تفاهة أحزاننا أمام حزنه
اليوم وأنا جالسة وحدي شعرت بالخجل
خجلت من كل مرة تذمرت فيها من الدنيا
من كل مرة قلت فيها إنني لا أملك شيئا
من كل مرة غضبت من الله لأن شيئا لم يأت كما أريد
من كل مرة بكيت على باب مغلق بينما كانت حولي أبواب من الحب لا تقفل
نحن لا نرى النعم حين تعتادها قلوبنا
نظن أن الثابتين في حياتنا جزء من المشهد مثل الجدار مثل الضوء مثل الهواء
لا نفكر أن غيابهم قد يهدم البيت كله
لا نشكر وجودهم كما يجب لأنهم دائما موجودون
وهذه أكبر خيانات الاعتياد أنه يجعل النعمة عادية
لكنها ليست عادية
أن تجد إنسانا يحبك بلا مصلحة هذه معجزة
أن تجد من يقف بجانبك في كل مرة هذه معجزة
أن تجد من يعرف ضعفك ولا يستخدمه ضدك هذه معجزة
أن تجد من يراك في أسوأ حالاتك ثم يبقى هذه معجزة
وأنا رغم كل ما فقدته ورغم كل ما تأخر عني ورغم كل ما ظننته حرمانا كنت محاطة بمعجزات تمشي على الأرض
أشخاص يحبونني من قلوبهم
يعطونني بلا حساب
يحتملون تقلباتي خوفي حزني ارتباكي ولحظاتي التي لا أعرف فيها كيف أكون خفيفة
أشخاص يضعون في قلبي طاقة تكفيني لأعبر سنوات كاملة
هذا الشهر شعرت بحب كثير
كثير لدرجة أنني بكيت منه
ليس لأنني حزينة بل لأنني أدركت متأخرة كم أنا محظوظة
كم أن الله كان حنونا معي بطرق لم أنتبه لها
كم أن عوضه لم يكن بعيدا بل كان حولي في وجوه أحبتي في رسائلهم في خوفهم علي في حضورهم حين كنت لا أعرف كيف أطلب الحضور
يا الله
سامحني لأنني حدقت طويلا في ما لم تعطني ونسيت أن أنظر إلى ما منحتني
سامحني لأنني حسبت العوض شيئا واحدا بينما كنت ترسله إلي بأشكال كثيرة
بصوت أخت بقلب صديقة بحنان قريب بيد تمسك يدي قبل أن أسقط
سامحني لأنني كنت أرى النقص أكثر مما أرى الرحمة
ولها
لأختي التي لا أعرف كيف أشكرها
أريد أن أقول لها إنني أحبها بطريقة لا تكفيها اللغة
إنني ممتنة لكل مرة كانت فيها بجانبي حتى حين لم أكن أستحق كل هذا الحنان
إنني أتمنى لو أستطيع أن أرد لها شيئا مما أعطتني
لو أستطيع أن أخلع عيني وأعطيها إياهما لترى بها الدنيا أخف
لو أستطيع أن أقتطع من عمري عمرا وأضعه في كفها
لو أستطيع أن أنزل نجمة من السماء وأقول لها هذه لك لأن الأرض لم تعرف كيف تكافئ قلبك
لكنني لا أملك إلا الدعاء
أدعو الله أن يربط على قلبها
أن يسكب على روحها سلاما لا يشبه سلام البشر
أن يجعل فقيدها نورا يسبقها إلى الجنة
أن يجعل صبرها بابا عظيما من أبواب الرحمة
أن يعوضها عوضا لا يليق إلا بكرمه لا بحجم احتمالنا نحن
وأدعو أن أبقى قريبة منها كما كانت قريبة مني
أن لا أخذل وجعها بصمتي
وأن لا أتأخر عنها كما لا تتأخر عني
وأن أتعلم منها أن الحب ليس كلاما جميلا فقط بل بقاء في الوقت الصعب
في تلك الليلة أغلقت دفتري لكني لم اغلق قلبي
تركت النافذة مفتوحة قليلا كأنها تترك للسماء فرصة أن تدخل
كان الليل هادئا على غير عادته والهواء باردا بما يكفي ليوقظ شيئا في الروح
همست وانا امسح دمعة لم احاول منعها
يا رب لا تجعلني أعتاد النعم حتى أنساها
لا تجعلني أحتاج لفقد جديد كي أفهم قيمة من بقي
علمني أن أشكر الحب وهو حاضر لا حين يتحول إلى ذكرى
ثم ابتسمت
ذلك الحزن الذي لا يوجع وحده بل يطهر
وأدركت أخيرا أن بعض الناس ليسوا صدفة في حياتنا
بعضهم رحمة
بعضهم رسالة
بعضهم عوض مؤجل يصل في الوقت الذي نكون فيه مشغولين بالبكاء على ما لم يأت
وأنا
كنت أظن أن الله نسي قلبي
لكنه كان طوال الوقت يحيطه بقلوب لا تشبه إلا رحمته
#سماح_العارضة