أخبار اليوم - على شاطئ بحر خانيونس، حيث يتجه آلاف الفلسطينيين بحثًا عن نسمة هواء أو لحظة هدوء وسط حرب لا تتوقف، كان محمد الفرا يحاول أن ينتزع ساعات قليلة من قسوة الواقع.
لم يكن يحمل سوى همومه الثقيلة وذكريات عائلة فقد معظم أفرادها خلال الحرب، لكنه لم يكن يعلم أن تلك الزيارة القصيرة إلى البحر ستكون رحلته الأخيرة.
قبل ساعات من استشهاده، كان محمد يجلس في خيمة عمته بخان يونس، التي هي أيضًا والدة زوجته، تناول طعام الغداء برفقة أفراد عائلته، ثم تلقى اتصالًا من أحد أصدقائه الذي قدم من مدينة غزة لزيارته، خرج الاثنان معًا، وفي وقت لاحق وصل خبر استشهادهما إثر قصف إسرائيلي استهدفهما على شاطئ البحر.
تقول عمته بصوت يختلط فيه الذهول بالحزن: "محمد ابن أخي ونسيبي، كان معزومًا عندي على الغداء، جلس معنا وتناول الطعام ثم خرج مع صديقه، وبعدها تفاجأنا بخبر استشهاده، كان غاليًا علينا جميعًا، طيبًا وحنونًا، والحياة من دونه أصبحت صعبة".
يقول ابن خاله عامر الفرا لصحيفة "فلسطين": إن الشهيد كان يعيش، كغيره من سكان قطاع غزة، ظروفًا قاسية فرضتها الحرب والنزوح وارتفاع درجات الحرارة وانعدام أبسط مقومات الحياة، لذلك قرر الخروج برفقة صديقه إلى البحر، الذي أصبح المتنفس الوحيد المتبقي للفلسطينيين في القطاع.
ويضيف أن الاحتلال باغتهما بصاروخ أثناء وجودهما هناك، لينتهي بذلك فصل جديد من المعاناة التي لاحقت محمد وعائلته منذ بداية الحرب.
ففي أكتوبر/تشرين الأول من عام 2024، استهدف الاحتلال منزل العائلة بعد منتصف الليل، بينما كان أفرادها نيامًا، وأسفر القصف عن استشهاد والد محمد ووالدته وشقيقته وحفيدتهم، في مجزرة تركت أثرًا عميقًا في نفوس من نجا من أفراد الأسرة.
ويؤكد عامر أن محمد عاش منذ ذلك الوقت محملًا بذكريات الفقد والألم، لكنه حاول رغم كل شيء أن يتمسك بالحياة وأن يبني مستقبلًا لعائلته الصغيرة.
فقد تزوج وأنجب طفلين كانا يمثلان له الأمل في الاستمرار، حتى إن ابنته الصغيرة حملت اسم "أريج" تخليدًا لذكرى شقيقته الشهيدة.
ويقول عامر: "أريج سميت على اسم عمتها التي استشهدت قبل والدها، واليوم أصبحت الطفلة بلا أب، بعدما فقدت من قبل جدها وعمتها، الاحتلال لم يترك لهذه العائلة فرصة لالتقاط أنفاسها".
ويصف ابن خاله الشهيد بأنه كان بمثابة الامتداد الأخير لوالده بعد استشهاد أفراد الأسرة، قبل أن تأتي الحرب وتحرمه هو الآخر من حقه في الحياة.
وفي حديثه عن الواقع العام في قطاع غزة، يرى عامر أن قصة محمد ليست استثناءً، بل نموذجًا لما تعيشه آلاف العائلات الفلسطينية التي فقدت أحباءها خلال الحرب، وسط استمرار القصف وسقوط المزيد من الضحايا بشكل يومي.
رحل محمد الفرا بعدما فقد والديه وشقيقته وأفرادًا من عائلته، ولحق بهم شهيدًا تاركًا خلفه زوجة مكلومة وطفلين ينتظران عودة لن تأتي.
وبينما تتكدس أسماء الضحايا في السجلات، تبقى وراء كل اسم حكاية عائلة وذكريات وأحلام انقطعت فجأة، كما انقطعت حياة محمد على شاطئ البحر، وهو يبحث عن لحظة هدوء في مدينة لم تعد تعرف الهدوء.
فلسطين أون لاين