الكاتب الدكتور المحامي محمد منجي القطيشات
لقد استيقظ الأردنين في فجر يوم الأحد (21 حزيران 2026 ) على خبر تنفيذ حكم الأعدام بحق ستة محكومين في قضايا إرهابية وجنائية خطيرة، وذلك بعد تجميد شبه كامل لتنفيذ العقوبة استمر نحو تسع سنوات منذ عام 2017 ، تباينت ردود الفعل و المشاعر بين الارتياح العام من خلال تطبيق القانون وفرض السيادة ، وبين صدمة الانسان التي ترافق سلب الحياة ، وجاء هذا التحرك القضائي بمثابة رسالة ردع صارمة تؤكد التوجه نحو حماية أمن الموطنين واستقرارها وتغليظ العقوبات ضد الجرائم المهددة للأمن العام، لا سيما الإرهاب والاتجار بالمخدرات قراءة قانونية في ضوء تنفيذ أحكام بحق 6 مدانين الإطار التشريعي لعقوبة الإعدام في القانون الأردني تُعرف عقوبة الإعدام في المادة 17 من قانون العقوبات الأردني بأنها "شنق المحكوم عليه". وعلى الرغم من الضغوطات والاتفاقيات الدولية المقيدة لهذه العقوبة، فإن المشرع الأردني احتفظ بها في الترسانة القانونية لمواجهة الجرائم الأشد خطورة، مقسمةً ضمن اختصاصين قضائيين:القضاء النظامي (محكمة الجنايات الكبرى): ينظر في جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار، والقتل التمهيدي لتسهيل جناية أو هروب مجرم.القضاء الخاص (محكمة أمن الدولة): يختص بالنظر في الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي، الجرائم الإرهابية، وقضايا المخدرات الكبرى المقترنة بمقاومة رجال إنفاذ القانون.
الضمانات القانونية ومراحل قطعية الحكم لا يُنفذ حكم الإعدام في الأردن فور صدوره، بل يمر بـ سلسلة من الضمانات الصارمة لضمان عدم وقوع خطأ قضائي:الطعن الإلزامي: تُرفع أحكام الإعدام كافة بحكم القانون إلى محكمة التمييز (أعلى سلطة قضائية) لتدقيقها موضوعاً وشكلاً، حتى لو لم يطعن المحكوم عليه.الدرجة القطعية: يجب أن يكتسب الحكم الصفة القطعية المستنفدة لطرق الطعن كافة.
التصديق والمصادقة الدستورية: يُرفع الحكم القطعي عبر وزير العدل إلى رئيس الوزراء، ليرفعه بدوره إلى جلالة الملك للمصادقة عليه بموجب الصلاحيات الدستورية، إذ للملك الحق في التصديق، أو العفو الخاص، أو إبدال العقوبة.آلية التنفيذ: يُنفذ الحكم تحت إشراف النائب العام المختص (كالنائب العام لمحكمة أمن الدولة في القضايا الأخيرة) تطبيقاً لأحكام المادة 359 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.الربط القانوني والتحليلي بإعدام المحكومين الستة (حزيران 2026)يجسد تنفيذ حكم الإعدام بحق المدانين تحولاً استراتيجياً من "سياسة التجميد الفعلي للتنفيذ" إلى "سياسة الردع المباشر والمستمر".
بالنظر إلى التوصيف القانوني للجرائم المرتكبة، نجد أنها انقسمت إلى فئتين رئيسيتين تقعان تحت طائلة المادتين الجنائية والإرهابية:أولاً: قضايا الإرهاب والاعتداء على رجال الأمن قضية خلية السلط الإرهابية (2018): تم إعدام المدانين التكييف القانوني لجرمهما استند إلى قانون منع الإرهاب؛ لتشكيل عصابة مسلحة والقيام بأعمال إرهابية أفضت إلى موت واستشهاد عناصر من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.قضية استشهاد العميد عبد الرزاق الدلابيح (2022): أُعدم المدان بعد إدانته بجرم القيام بأعمال إرهابية باستخدام أسلحة أفضت إلى موت إنسان، وهي من الجرائم المغلظة التي لا تمنح المحكمة فيها أسباباً تخفيفية تقديرية نظرًا لجسامة الفعل واستهدافه هيبة الدولة.ثانياً: قضايا تجارة المخدرات المقترنة بالقتل القصد شمل التنفيذ ثلاثة من كبار تجار المخدرات أدينوا بتهمة مقاومة الموظفين القائمين على إنفاذ أحكام قانون المخدرات والمؤثرات العقلية، وإطلاق النار المؤدي للموت .الأبعاد والتوجهات القانونية المستقبليّة للحكومة يحمل هذا الإجراء القضائي عدة دلالات ومسارات تشريعية أعلنت عنها الحكومة تزامناً مع تفعيل التنفيذ:المسار القانوني المستقبلي لتفاصيل والأهداف التشريعية تصفية قائمة المحكومين الإعلان الرسمي عن وجود أكثر من 100 محكوم بالإعدام اكتسبت أحكامهم الدرجة القطعية، والتوجه لتنفيذها تباعاً لفرض سيادة القانون.
إعلان رئيس الوزراء عن التوجه نحو تعديل القوانين لتطبيق عقوبة الإعدام على نطاق أوسع ليشمل كبار مهربي وتجار المخدرات المرتبطين بعصابات خارجية.حماية إنفاذ القانون تغليظ العقوبات التشريعية بصرامة غير قابلة للالتفاف لكل من يعتدي على منتسبي القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية.خلف هذا التنفيذ ارتياحاً في الشارع الأردني ولدى أهالي الضحايا الذين انتظروا القصاص العادل لسنوات، مما يثبت قانونياً أن المشرع الأردني يرى في عقوبة الإعدام وسيلة لا غنى عنها لتحقيق الردع العام والخاص، ولإعادة التوازن المفقود للجسم المجتمعي جراء الجرائم العابرة للحدود والمنظمات الإرهابية
و كانت هذه نقطة تحول جوهرية في مسار السياسة العقابية للمملكة، إذ جاء هذا الإجراء لينهي فترة تعليق عملي وضمني لتنفيذ العقوبة استمرت زهاء تسع سنوات منذ عام 2017. هذا التبدل الحاصل في إنفاذ الأحكام القضائية القطعية لا يمكن قراءته بمعزل عن تنامي بعض الأنماط الجرمية الخطرة التي بدأت تهدد الأمن الوطني والسلم المجتمعي، وفي مقدمتها الجرائم الإرهابية المنظمة ونشاطات عصابات الاتجار والتهريب الدولي للمخدرات، مما دفع بالسلطات القضائية والتنفيذية نحو إحياء وظيفة الردع العام والخاص للعقوبة بعد فترة طويلة من الميول نحو التجميد اتساقاً مع التوجهات الدولية.وتجد عقوبة الإعدام أساسها التشريعي الأصيل في المادة (17) من قانون العقوبات الأردني رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته، حيث أفرد لها المشرع حيزاً خاصاً بوصفها العقوبة الجنائية الأشد، وجعل الشنق وسيلة لتنفيذها.
وينقسم الاختصاص القضائي في إيقاع هذه العقوبة تبعاً لطبيعة المصلحة المحمية؛ حيث ينعقد الاختصاص ابتداءً للمحاكم النظامية، وتحديداً محكمة الجنايات الكبرى، عند النظر في جرائم القتل العمد المقترن بسبق الإصرار أو التمهيد لجناية أخرى وفق أحكام المادة (328) من قانون العقوبات. وفي المقابل، ينعقد الاختصاص الاستثنائي لمحكمة أمن الدولة بالنظر في الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي، والجرائم المنصوص عليها في قانون منع الإرهاب، وكذا قضايا المخدرات المغلظة المرتكبة باستخدام الأسلحة النارية ضد رجال إنفاذ القانون.ونظراً لخطورة هذه العقوبة ونهائيتها، أحاط المشرع الأردني أصول محاكمة المحكومين بها بضمانات إجرائية وقضائية بالغة الصرامة استثناءً من القواعد العامة؛ إذ أوجبت المادة (233) من قانون أصول المحاكمات الجزائية عرض جميع أحكام الإعدام تلقائياً على محكمة التمييز لتدقيقها من حيث القانون والواقع، دون اشتراط قيد الطعن من قبل المحكوم عليه أو وكيله. ولا يصبح الحكم قابلاً للتنفيذ إلا بعد اكتسابه حجية الأمر المقضي به واستنفاد جميع سبل و طرق الطعن المتاحة، ومن بعدها المرحلة الدستورية المحصورة في الصلاحيات التقديرية لجلالة الملك بموجب الدستور الأردني، والذي يملك وحده هذا الحق وهو المصادقة على الحكم، أو إبداله بعقوبة جنائية أخرى، أو منح العفو الخاص، فإذا ما اقترنت الأحكام بالمصادقة الملكية، تولى النائب العام المختص الإشراف على التنفيذ الفعلي داخل مراكز الإصلاح والتأهيل وفق منطوق المادة (359) من قانون الأصول الجزائية.
ومن خلال النظر إلى الخلفية الجرمية للمحكومين الستة الذين نفذت بحقهم الأحكام مؤخراً، يتضح أن المسار القضائي استهدف قضايا نوعية مستوجبة للإعدام عيناً دون إمكانية لمنح الأسباب المخففة التقديرية. وتطبيقها يشير إلى ملامح إستراتيجية تشريعية جديدة ألمحت إليها الحكومة مؤخراً، تتجاوز مجرد إنفاذ الأحكام العالقة في ذمة القضاء والتي تشير التقديرات القانونية إلى تجاوزها مئة حكم قطعي. إذ يتجه الرأي التشريعي والتنفيذي اليوم نحو مراجعة النصوص العقابية الحالية، وبخاصة التشريعات المتعلقة بمكافحة المخدرات وقانون العقوبات العام، بغية تشديد العقوبات وربما توسيع نطاق الإعدام ليشمل خطوط التهريب الدولي وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وهو ما يعكس قناعة فقهية رسمية بأن ظروف الاستقرار الداخلي باتت تتطلب تغليب مبدأ الردع الزاجر على حساب اعتبارات الملاءمة السياسية أو التجميد العقابي الذي ساد في العقد الماضي و مراجعة دورية للتشريعات: تشكيل لجان قانونية متخصصة ومستقلة لمراجعة نصوص قانون العقوبات بشكل دوري، لضمان مواءمتها مع التطورات الاجتماعية والأمنية
خاتمة المقال: نحو موازنة عادلة بين عقوبة الإعدام وبين الردع و سيادة القانون
في الختام، تظل عقوبة الإعدام في الأردن أداة حاسمة في يد الدولة لفرض هيبتها وترسيخ سيادة القانون، خاصة في مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة مثل الإرهاب العابر للحدود وشبكات تهريب المخدرات المنظمة. إن فلسفة العقاب في التشريع الأردني لا تنطلق من الانتقام، بل من مبدأ الردع العام لحماية السلم الأهلي وصون حق المجتمع في الأمن والحياة.
وتتجلى سيادة القانون بشكل واضح في الضمانات القضائية الصارمة التي تحيط بهذه العقوبة؛ إذ لا يُنفذ الحكم إلا بعد استنفاد كافة مراحل التقاضي، بما في ذلك التمييز التلقائي للأحكام، وموافقة محكمة التمييز بصفتها أعلى سلطة قضائية، وصولاً إلى مصادقة الملك الشخصية بموجب المادة (39) من الدستور الأردني. هذه السلسلة المعقدة من التدقيق تضمن تقليص هامش الخطأ البشري إلى العدم، وتثبت أن الدولة توازن بدقة بين القصاص العادل والعدالة الإجرائية.
ولضمان ديمومة هذه العدالة، يُوصى بضرورة الاستمرار في تضييق نطاق العقوبة لتقتصر حصراً على الجرائم الأشد خطورة، مع تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة عبر إلزامية وجود تمثيل قانوني كفء للمتهمين منذ اللحظات الأولى للتوقيف. وبالتوازي مع الحسم القضائي، يجب على الدولة تكثيف استراتيجيات الوقاية المجتمعية لمعالجة الجذور المغذية للجريمة كالفقر والبطالة، وتطوير برامج الإصلاح والتأهيل. إن حماية أمن الأردن واستقراره لا تتحقق فقط بإنفاذ العقوبة الصارمة، بل بتكامل المنظومة القانونية مع بيئة مجتمعية واعية تصون القانون وتحترم به حقوق الإنسان.