أخبار اليوم - لم تعد رحلة الحصول على كوب من مياه الشرب في قطاع غزة مهمة اعتيادية، بل تحولت إلى معاناة يومية تستنزف الوقت والجهد. فمع استمرار حرب الإبادة، ومنع إدخال الزيوت الصناعية ومواد التشغيل، توقفت عشرات محطات التحلية الصغيرة التي يعتمد عليها مئات آلاف النازحين، لتتفاقم أزمة المياه في وقت ترتفع فيه درجات الحرارة وتزداد الحاجة إلى المياه الصالحة للشرب.
في أحد مخيمات الإيواء غرب مدينة غزة، يبدأ عبد الرحيم نور يومه بحمل جالونات فارغة والسير لمسافات طويلة بحثًا عن مصدر للمياه، بعدما توقفت محطة التحلية القريبة التي أنشأها سكان الحي بجهود تطوعية لتوفير الحد الأدنى من احتياجات النازحين.
ويقول لصحيفة "فلسطين": "لم يعد الحصول على مياه الشرب رحلة قصيرة، بل أصبح مشوارًا يوميًا شاقًا نقطعه سيرًا على الأقدام إلى نقاط تعبئة بعيدة تعتمد على صهاريج تنقل المياه من محطات مركزية". ويضيف أن الازدحام وارتفاع درجات الحرارة وحمل الجالونات الثقيلة جعلت من تأمين المياه عبئًا يوميًا يرهق السكان.
ويشير إلى أن توقف المحطة قبل نحو أسبوع، بسبب نفاد الزيوت الصناعية اللازمة لتشغيل المولدات، غيّر حياة عشرات العائلات التي كانت تعتمد عليها بشكل كامل، وأجبرها على البحث عن بدائل محدودة وغير مستقرة.
أزمة تتفاقم مع الصيف
وتشهد مخيمات النزوح في قطاع غزة أزمة متصاعدة في مياه الشرب، مع ازدياد الطلب خلال فصل الصيف، مقابل تراجع كبير في مصادر التزويد نتيجة خروج العديد من محطات التحلية عن الخدمة.
ويرتبط هذا التراجع بالنقص الحاد في الزيوت الصناعية اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية، في ظل القيود المفروضة على إدخالها إلى القطاع، ما أدى إلى توقف عشرات المحطات وتقليص كميات المياه المتاحة للسكان.
ولا يقتصر تأثير الأزمة على نقص المياه، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيمات، حيث باتت آلاف الأسر مضطرة إلى قطع مسافات طويلة للحصول على كميات محدودة من المياه، في ظروف تزداد قسوة مع استمرار النزوح وغياب الخدمات الأساسية.
رحلة يومية شاقة
وفي مخيم "الصامدون" غرب مدينة غزة، تعيش أم محمود مهداوي، وهي أرملة تعيل ستة أبناء بعد استشهاد زوجها خلال الحرب، معاناة يومية لتأمين المياه.
وتقول لـ"فلسطين": "قبل أسابيع كنت أعتمد على محطة تحلية قريبة من الخيمة، وكانت توفر علينا مشقة البحث عن المياه، لكن بعد توقفها بسبب نفاد الزيوت الصناعية، عدنا إلى رحلة يومية طويلة بحثًا عن أي مصدر للمياه."
وتوضح أنها تضطر إلى السير مع أطفالها لمسافات طويلة للوصول إلى نقاط تعبئة أو سيارات توزيع متنقلة، وغالبًا ما تعود بكميات لا تكفي احتياجات الأسرة. كما تقضي ساعات طويلة في الانتظار تحت أشعة الشمس وسط الازدحام، وقد تعود أحيانًا من دون الحصول على أي كمية، لتكرر المحاولة في اليوم التالي.
وتؤكد أن الأطفال باتوا يشاركونها حمل الجالونات رغم صغر سنهم، بينما تضطر داخل الخيمة إلى تقنين استخدام المياه بدقة، فتقسمها بين الشرب والطهي وغسل الأواني، في ظل غياب أي مصدر ثابت للمياه.
وتضيف أن أزمة المياه لم تعد مجرد معاناة يومية، بل أصبحت مصدر قلق دائم يهدد استقرار حياة أسرتها، خاصة مع استمرار توقف محطات التحلية القريبة.
محطات خارج الخدمة
وفي حي النصر غرب مدينة غزة، يوضح خميس الشوا، مدير محطة تحلية أهلية أُنشئت بتمويل مجتمعي وتنتج نحو 600 لتر من المياه المحلاة في الساعة، أن المحطة كانت تزود عشرات العائلات بمياه الشرب، لكنها توقفت بالكامل بسبب نفاد الزيوت الصناعية.
ويقول لـ"فلسطين" إن الأزمة لا تقتصر على الزيوت، بل تشمل أيضًا مواد تشغيل أنظمة الفلترة والتنقية، ما جعل استمرار عمل المحطة مستحيلًا.
ويضيف: "وصل سعر لتر الزيت الصناعي إلى نحو 2000 شيكل، وهو رقم يفوق قدرة أي مبادرة مجتمعية على تحمله، لذلك أصبح تشغيل المحطة غير ممكن، رغم محاولات السكان توفير الدعم."
ويحذر الشوا من أن استمرار توقف محطات التحلية في الأحياء سيؤدي إلى تفاقم أزمة مياه الشرب داخل مخيمات الإيواء والمناطق السكنية، مطالبًا المجتمع الدولي بالضغط لإدخال الزيوت الصناعية ومواد التشغيل باعتبارها من الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
انهيار قطاع المياه
وكان نائب رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة، علاء البطة، قد أكد في تصريحات صحفية سابقة أن قطاع المياه يشهد انهيارًا متسارعًا بفعل استمرار الحرب والحصار، مشيرًا إلى أن محطات التحلية تخرج تباعًا عن الخدمة بسبب النقص الحاد في الوقود، وزيوت المولدات، وقطع الغيار، إلى جانب تهالك المولدات نتيجة التشغيل المتواصل.
وأوضح أن إحدى المحطات التي توقفت كانت تنتج نحو 1600 متر مكعب من المياه المحلاة يوميًا، وهي كمية كانت تكفي لتلبية احتياجات نحو 100 ألف شخص، فيما يحتاج القطاع إلى نحو 40 ألف متر مكعب يوميًا كحد أدنى لتغطية الاحتياجات الأساسية، وهو رقم يفوق بكثير القدرة الحالية.
وأضاف أن أسعار زيوت المولدات ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، تجاوزت بنحو ألفي ضعف أسعارها الطبيعية، بينما تستهلك المولدات كميات أكبر من الزيوت بسبب التآكل والتسرب الناتج عن قدمها، ما يزيد من صعوبة تشغيلها.
وأشار البطة إلى أن الاحتلال دمّر أكثر من 725 بئر مياه خلال الحرب، وتمكنت الجهات المحلية والدولية، بما فيها مصلحة مياه بلديات الساحل وسلطة المياه واللجنة الدولية للصليب الأحمر، من إعادة تأهيل نحو 40% منها فقط، إلا أنها تعمل بكفاءة تتراوح بين 50 و60% بسبب الأضرار ونقص الإمكانات.
وأكد أن كميات المياه المضخوخة حاليًا لا تتجاوز 20% من مستويات ما قبل الحرب، في مؤشر واضح على حجم الانهيار الذي أصاب قطاع المياه.
ولفت إلى أن أزمة الصرف الصحي لا تقل خطورة، إذ تعتمد محطات الضخ على المولدات نفسها، وتعاني من النقص ذاته في الوقود والزيوت، ما يضطر البلديات إلى تشغيلها وإيقافها بالتناوب وفق الإمكانات المتاحة، الأمر الذي يهدد بتفاقم المخاطر البيئية والصحية في مختلف أنحاء القطاع.
المصدر / فلسطين أون لاين