أخبار اليوم - في ساعات النهار الأولى، تبدأ حرارة الشمس بتحويل الخيام البلاستيكية المنتشرة في مواصي خانيونس إلى ما يشبه الأفران المغلقة، في مشهد يختصر قسوة واقع إنساني ممتد منذ قرابة ألف يوم على حرب غزة.
فمع دخول الحرب يومها الألف، تشير تقديرات إنسانية إلى أن الغالبية العظمى من سكان قطاع غزة تعرضوا للنزوح مرة واحدة على الأقل، فيما يعيش مئات آلاف منهم اليوم داخل مخيمات وخيام مؤقتة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط انهيار واسع في البنية التحتية والخدمات الأساسية، ونقص حاد في المياه والكهرباء والرعاية الصحية.
داخل هذه الخيام، لا يحتاج النازحون إلى أجهزة لقياس درجات الحرارة؛ فأجسادهم المنهكة تختبر يوميًا قسوة الصيف، حيث يتحول النايلون الرقيق إلى جدران تحبس الهواء الساخن وتضاعف الاختناق.
الأطفال يهربون إلى خارج الخيام بحثًا عن نسمة هواء، بينما يجلس كبار السن تحت أشعة الشمس رغم قسوتها، باعتبارها أقل حدة من الحرارة المحبوسة في الداخل.
ومع مرور ألف يوم على الحرب، لم تعد الخيام حلولًا مؤقتة، بل واقعًا طويل الأمد يرافقه تدهور إنساني متواصل، إذ فقدت عشرات آلاف الأسر منازلها، وتضررت أو دُمّرت نسبة كبيرة من الوحدات السكنية، بحسب تقديرات أممية، ما دفع السكان إلى حياة النزوح الممتد في مناطق مفتوحة تفتقر للبنية الأساسية.
في هذا السياق، تتجدد المأساة مع قصة السيدة مها الهسي، التي تعيل خمس بنات بعد استشهاد زوجها قبل نحو عام، أثناء توجهه إلى إحدى نقاط توزيع المساعدات الأمريكية في جنوب قطاع غزة، بحثًا عن لقمة العيش.
تعيش مها اليوم مع أطفالها داخل خيمة بدائية أقيمت من قضبان حديدية جُمعت من تحت ركام منزلهم المدمر، ومغطاة بشوادر من النايلون لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، في مساحة ضيقة تختصر حياة أسرة كاملة فقدت المعيل والمأوى معًا.
يقول جيران العائلة إن الأسرة تعاني من انعدام شبه كامل لمقومات الحياة، حيث لا مصدر دخل ثابت، ولا غذاء كافٍ، ولا قدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية، فيما تعتمد بشكل متقطع على مساعدات إنسانية لا تسد الحاجة.
داخل الخيمة، تمتزج حرارة الشمس بالجوع والقلق اليومي، حيث تقضي البنات الخمس معظم يومهن في مساحة خانقة، في ظل غياب أي وسائل تبريد أو تهوية، وانقطاع متكرر في الخدمات الأساسية.
ويقول محمد زعرب (32 عامًا)، وهو أب لخمسة أطفال يقيم مع أسرته في مواصي خانيونس، إن الحياة داخل الخيمة أصبحت لا تُحتمل مع اشتداد حرارة الصيف.
ويضيف: “نعيش داخل خيمة صغيرة، ومع كل شروق شمس تبدأ المعاناة. الأطفال يتصببون عرقًا طوال اليوم، ولا يوجد أي مكان يمكن أن يخفف من الحرارة، حتى خارج الخيمة الوضع صعب".
ويشير إلى أن انقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد يزيدان من حدة الأزمة، مؤكدًا أن الأطفال هم الأكثر تضررًا من هذا الواقع القاسي.
أما محمود الحمايدة (65 عامًا)، النازح من رفح، فيصف الخيام بأنها “أماكن لا تصلح للعيش”، مضيفًا: “ننتظر الليل فقط لنتمكن من التنفس، فالخيام تحتفظ بالحرارة لساعات طويلة".
وفي منطقة العطار غرب خان يونس، يقول سعيد أبو شعر إن الحياة باتت “معركة يومية مع الحر”، موضحًا أن الأطفال لا يستطيعون النوم ليلًا أو نهارًا بسبب الحرارة والحشرات، في ظل غياب أي حلول عملية لتحسين ظروف الإيواء.
وتضم منطقة مواصي خانيونس مئات آلاف النازحين الذين فرّوا من منازلهم في رفح وشرق خانيونس ومناطق أخرى، ليجدوا أنفسهم في مساحات مفتوحة تحولت إلى تجمعات خيام ممتدة على ساحل ضيق، تفتقر للبنية التحتية وتواجه ضغطًا إنسانيًا متزايدًا.
ومع مرور ألف يوم على الحرب، تتداخل المأساة الإنسانية مع الانهيار المعيشي، حيث تتفاقم أزمة الغذاء والمياه، وتتراجع القدرة الشرائية، فيما ترتفع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وفق تقارير دولية.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز مأساة السيدة مها الهسي كصورة مكثفة لمعاناة آلاف الأسر، حيث يتحول الفقد إلى يوميات مستمرة، والخيمة إلى منزل دائم، والحر إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية.
وبين حرارة الصيف القاسية واستمرار النزوح، يبقى النازحون في مواصي خانيونس عالقين بين زمنين: حرب مستمرة منذ ألف يوم، ومستقبل لا يزال معلقًا على أمل انتهاء لا يبدو قريبًا.
فلسطين أون لاين