نورالدين نديم
حين أُعيدت هيكلة امتحان الثانوية العامة وتقسيمه على عامين، كان الهدف المعلن تخفيف الضغط النفسي عن الطلبة.
إلا أن الواقع يشير إلى أن الرهبة لم تختفِ، بل امتد أثرها الزمني، ومعها امتدت الكلفة الاقتصادية والنفسية التي تتحملها الأسرة الأردنية.
فالإنفاق على الدروس الخصوصية، والمنصات التعليمية، والدوسيات، والاشتراكات الإلكترونية، والامتحانات التجريبية، لم يتراجع، وإنما توزّع على عامين بدل عام واحد، لتصبح رحلة التوجيهي أكثر استنزافاً للوقت والدخل.
ولعل الأرقام الرسمية تكشف جانباً من الصورة، وإن لم تُحصِ كامل الكلفة.
فبيانات دائرة الإحصاءات العامة تؤكد أن التعليم يشكل بنداً ثابتاً في إنفاق الأسر الأردنية، لكنها لا تفصّل ما يُنفق على الدروس الخصوصية والمنصات التعليمية، في ظل الانتشار الواسع للمنصات التعليمية والتعليم الموازي.
ولعلّ من الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا ما تواجهه المدارس الحكومية من تحديات تتعلق الاكتظاظ داخل الغرف الصفية في المدارس التي تقع في المدن وأماكن التجمعات السكانية. فمتوسط عدد الطلبة فيها لا يقل عن 30 طالباً في الشعبة الواحدة، مقابل نحو 20 طالباً في المدارس الخاصة كحد أقصى، بينما لا تزال عشرات المدارس الحكومية تعمل بنظام الفترتين لمعالجة الاكتظاظ في بعض المناطق. كما يتقدم هذا العام "2026م" لامتحان الثانوية العامة نحو 210 آلاف مشترك في الامتحانات العامة والتكميلية، وهو رقم يعكس حجم الضغط الواقع على المنظومة التعليمية بأكملها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت المدرسة الحكومية تؤدي رسالتها التعليمية كاملة، فلماذا أصبحت الدروس الخصوصية والمنصات التعليمية ضرورة وليست خياراً؟
لا يمكن تحميل المعلم وحده مسؤولية هذا الواقع، ولا لوم الأسرة التي تبحث عن أفضل فرصة لابنها.
فالمشكلة تكمن في منظومة تعليمية دفعت المجتمع إلى الاقتناع بأن النجاح لا يتحقق داخل المدرسة وحدها.
إن إصلاح التوجيهي لا يبدأ من شكل الامتحان أو عدد سنواته، بل يبدأ من إعادة الثقة بالمدرسة الحكومية، وتطوير البيئة الصفية، وتمكين المعلم، بحيث يصبح ما يتلقاه الطالب داخل المدرسة كافياً لتحقيق النجاح، لا أن يتحول التعليم الحقيقي إلى سلعة تُشترى خارج أسوارها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يكون محور أي إصلاح تربوي: هل نجحنا في تخفيف رهبة التوجيهي، أم أننا اكتفينا بتمديد سنوات القلق وزيادة العبء المادي والنفسي على الطالب والأسرة الأردنية؟