حصار المنظومة الطبية ينذر بانهيار مختبرات غزة ويهدد حياة آلاف المرضى

mainThumb
حصار المنظومة الطبية ينذر بانهيار مختبرات غزة ويهدد حياة آلاف المرضى

19-07-2026 09:40 AM

printIcon

أخبار اليوم - بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يعد انهيار القطاع الصحي في غزة يقتصر على المستشفيات المدمرة أو النقص الحاد في الأدوية واللوازم الطبية، بل امتد ليطال المختبرات الطبية التي تشكل ركيزة أساسية في تشخيص الأمراض ومتابعة الحالات الحرجة، في مشهد يصفه عاملون في القطاع الصحي بأنه أحد مظاهر الإبادة التي تتعرض لها المنظومة الصحية.

وتعرضت المنظومة الصحية لخسائر غير مسبوقة نتيجة الحرب، إذ خرج عدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، وتعرضت المختبرات المركزية والفرعية لأضرار مباشرة وغير مباشرة، في حين أدى استمرار القيود على إدخال المستلزمات الطبية إلى استنزاف المخزون بشكل شبه كامل، الأمر الذي جعل المختبرات عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الخدمات التشخيصية التي يعتمد عليها الأطباء لإنقاذ حياة المرضى.

أوضاع صعبة

وقال مدير الإغاثة الطبية في مدينة غزة محمد أبو عفش: إن "المختبرات الطبية أصبحت تعمل في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها منذ عقود"، مؤكداً أن الحرب لم تستهدف المباني الصحية فحسب، بل أصابت البنية التشخيصية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة الطواقم الطبية على تشخيص الأمراض ومتابعة المصابين والمرضى.

وأوضح أبو عفش في حديث خاص لصحيفة "فلسطين"، أن المختبرات تعدّ العمود الفقري للمنظومة الصحية، إذ لا يمكن للطبيب اتخاذ قرار علاجي دقيق دون نتائج الفحوصات المخبرية، إلا أن استمرار الحرب وما رافقها من تدمير للبنية الصحية ومنع إدخال الكواشف والمواد الكيميائية والمستهلكات الطبية، جعل المختبرات تعمل بأقل من الحد الأدنى من إمكاناتها.

وأضاف، أن المختبرات تواجه اليوم سلسلة متشابكة من الأزمات، تبدأ بالنقص الحاد في مواد الفحص، ولا تنتهي عند انقطاع الكهرباء وشح الوقود اللازم لتشغيل الأجهزة الحساسة، فضلاً عن تعطل عدد كبير من الأجهزة نتيجة الأضرار التي لحقت بها أو غياب الصيانة وقطع الغيار، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الطبية بصورة غير مسبوقة نتيجة أعداد الجرحى والمرضى.

وأشار أبو عفش إلى أن العجز في مواد الفحص المخبرية وصل إلى نحو 87 بالمئة، فيما بلغ النقص في المستهلكات الأساسية قرابة 74 بالمئة، وهي أرقام تعكس حجم الكارثة التي تعيشها المختبرات، حيث لم تعدّ قادرة على إجراء كثير من الفحوصات الأساسية التي يعتمد عليها الأطباء في أقسام الطوارئ والعناية المركزة والأقسام الداخلية.

ومن بين الفحوصات الحيوية التي توقف بالفعل، فحوصات غازات الدم الضرورية لمتابعة المرضى في أقسام العناية المركزة، بينما أصبحت فحوصات صورة الدم الكاملة (CBC)، إلى جانب العديد من الفحوصات الكيميائية والمناعية، مهددة بالتوقف الكامل مع استمرار نفاد الكواشف وعدم دخول إمدادات جديدة.

وأكد أبو عفش أن الأزمة لا تعكس النقص الحاد في المواد فحسب، وإنما تشمل حرمان آلاف المرضى من حقهم في التشخيص الدقيق، موضحًا أن الطبيب يجد نفسه في كثير من الأحيان مضطرًا لاتخاذ قرارات علاجية اعتمادًا على الفحص السريري فقط، في ظل غياب نتائج المختبر، وهو ما يزيد من احتمالية المضاعفات ويؤخر التدخلات العلاجية، خاصة لدى مرضى السرطان والفشل الكلوي والأمراض المزمنة والجرحى والأطفال الخدج والمرضى في أقسام العناية المركزة.

وأضاف، أن الطواقم العاملة في المختبرات اضطرت إلى ترشيد استخدام ما تبقى من مواد الفحص، وحصرها بالحالات الطارئة والأكثر خطورة، في محاولة لإطالة عمر المخزون المحدود، إلا أن استمرار هذا الواقع يهدد بفقدان القدرة حتى على إجراء الفحوصات المنقذة للحياة.

وأكد أبو عفش أن الحرب استنزفت أيضًا الكادر البشري العامل في المختبرات، حيث يعمل الفنيون والأخصائيون لساعات طويلة وتحت ضغط هائل، في ظل تراجع أعداد الكوادر بسبب الاستهداف أو النزوح أو الإرهاق المستمر، ورغم ذلك يواصلون تقديم خدماتهم في محاولة للحفاظ على ما تبقى من المنظومة الصحية.

ولفت إلى أن المختبرات لم تعد قادرة على إجراء العديد من الفحوصات التخصصية، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على متابعة الأمراض المزمنة، وتشخيص الأمراض المعدية، ومراقبة المضاعفات الصحية الناتجة عن سوء التغذية، وانتشار الأمراض المرتبطة بتردي الأوضاع البيئية والصحية داخل مراكز الإيواء.

وحذر أبو عفش، من أن استمرار منع إدخال الكواشف والمواد الكيميائية والمستهلكات المخبرية وقطع الغيار يهدد بتوقف شبه كامل لخدمات المختبرات، موضحًا أن تعطيل هذه الخدمات يمثل صورة من صور الإبادة الطبية، ولا سيما أنه يتسبب بحرمان المرضى من حقهم الأساسي في التشخيص والعلاج، ويترك آلاف الحالات الصحية تواجه مصيرًا مجهولاً في ظل غياب الإمكانات اللازمة.

وأكد مدير الإغاثة الطبية في مدينة غزة، أن استهداف القدرة التشخيصية للمرافق الصحية لا يقل خطورة عن تدمير المباني الطبية، لأن تعطيل المختبرات يعني حرمان المرضى من معرفة حالتهم الصحية بدقة وتأخير حصولهم على العلاج المناسب، وهو ما يمثل جانبًا أساسيًا من جوانب الإبادة الطبية التي يعيشها القطاع الصحي في غزة منذ اندلاع الحرب.

وختم أبو عفش بالتأكيد أن إنقاذ المختبرات لم يعد قضية فنية أو طبية فحسب، بل أصبح قضية إنسانية عاجلة، داعيًا المجتمع الدولي والمؤسسات الصحية والإنسانية إلى الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لضمان إدخال الكواشف المخبرية والأجهزة وقطع الغيار والوقود، باعتبار أن استمرار انهيار خدمات المختبرات سيقود إلى انهيار ما تبقى من المنظومة الصحية في قطاع غزة، ويحرم مئات آلاف المرضى والجرحى من أبسط حقوقهم في التشخيص والعلاج.

المصدر / فلسطين أون لاين