أخبار اليوم - لم تكن ليلة عادية في مخيمات حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، فمع اشتداد القصف وإطلاق النار، عاش آلاف النازحين ساعات طويلة من الرعب، بين البقاء داخل خيام لا تقيهم الشظايا والرصاص، أو النزوح مجددًا إلى المجهول.
عصر السبت ورد أهالي حي الزيتون بمحيط مفترق دولة اتصال من ضباط جيش الاحتلال بوجود عملية عسكرية لجيش الاحتلال للمنطقة، ليعيش السكان حالة من الهلع والخوف من ليلة مشابهة عاشوها قبلها بيومين إثر تقديم المكعبات الصفراء وصاحبها قصف مدفعي وإطلاق نار مكثف.
لم يتبع تحذير جيش الاحتلال للأهالي، أي إجراء عسكري يجنبهم الرصاص الذي ظل يطلق بكثافة من مغرب السبت حتى فجر الأحد يرافقه قصف مدفعي متواصل وتحليق للطيران المروحي والمسير "كواد كابتر"، ما أدى لمحاصرة أهالي داخل مخيمات إيواء الذين انبطحوا أرضا طوال الليل، ونزوح عائلات أخرى فضلت قضاء الليل في الشارع بمحيط حي الزيتون.
ولم تسلم المناطق البعيدة عن نطاق عملية جيش الاحتلال من الاستهداف، فرغم نزوح عائلة أبو عصر بشارع كشكو الواقع إلى الشرق من مفترق صلاح الدين بنحو 700 متر، ويبعد عن مفترق دولة بنحو كيلو متر إلا أن طائرة الاحتلال بدون طيار استهدفت خيمة العائلة لمجرد تحرك الأم رضا أبو عصر لشرب الماء لتستشهد على الفور، واستشهد معها والدها عبد الكريم أبو عصر وخالها فضل أبو عصر اللذان انتُشلا صباح الأحد.
مع سماع دوي الانفجار هرع جارهم علاء قدوم نحو الخيمة المستهدفة الساعة الواحدة فجرًا، ليجد الطفلة صبا محمد مصبح (5 سنوات) وهي من ذوي الإعاقة السمعية تنزف من قدمها مصابة بشظايا القصف وتئن وهي تشاهد رأس أمها مهشما بفعل القصف الإسرائيلي، بينما أصيب والدها إصابة خطرة ونجى شقيقها الأكبر.
يروي قدوم لصحيفة "فلسطين": "دخلنا الخيمة وكانت الدماء تنزف من قدم الطفلة التي لم تكن تسمع لكنها تنظر لأمها بصدمة وخوف، فحملناها وسرنا بها 700 متر وسلمناها لسيارات الإسعاف عند شارع صلاح الدين، ثم عاودنا وأسعفنا والدها وأخرجنا شقيقها الناجي من المكان، وعدنا ونقلنا والدتها الشهيدة نحو سيارات الإسعاف. في الصباح تفاجأنا ببكاء سيدة لوجود شهيدين وهما والد وخال الشهيدة فنقلناهم للمشفى بواسطة عربات الكارو".
يسكن قدوم ببيت ملاصق لخيمة عائلة أبو عصر، وفي هذا المكان فقدت رضا مع بداية الحرب جميع أشقائها بأبنائهم في مجزرة مروعة.
قذائف طوال الليل
على مقربة من مفترق دولة، يقيم محمد في منطقة يصفها بأنها مكشوفة بالكامل. يقول إن : "القذائف سقطت طوال الليل في محيط الدوار، وهو ما جعل السكان يعيشون على أعصابهم حتى ساعات الصباح".
ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن المخيمات المحيطة لا تحميها جدران أو مبانٍ، وإنما خيام منصوبة في الأراضي وعلى جوانب الطرق، لذلك فإن أي قذيفة أو رصاصة طائشة كانت تصيب النازحين في أي لحظة.
وأدى القصف إلى مغادرة عدد من العائلات خيامها وقضت الليل في العراء بمحيط حي الزيتون، على أمل العودة مع بزوغ الفجر، ويصف الليلة "بأنها من أصعب الليالي التي مرت عليهم".
ورصد السكان خلال الليل تحركات مكثفة للآليات العسكرية بين منطقة الكويتي ومحيط مفترق دولة بعضهم شاهد مركبات عسكرية بعجلات ، الأمر الذي زاد من حالة الهلع، خاصة مع انتشار أنباء عن احتمال تقدم القوات البرية.
وبحسب محمد، يضم مخيم "دار السلام" المقام في المنطقة نحو 108 عائلات على مساحة لا تتجاوز خمسة دونمات، بينما تؤكد إحصاءات أممية أن حي الزيتون تعرض لدمار واسع، ولم يعد فيه منزل قائم في كثير من أحيائه.
ويقع المخيم على تلة مرتفعة بنحو 15 مترًا، تصل رصاصات الآليات العسكرية بسهولة إلى الخيام، ما يجعل السكان عرضة للخطر بشكل دائم. ويلفت محمد لحادثة استشهاد المواطن أحمد أبو زور واثنين من عائلته اول امس وهما سالم توفيق أبو زور (٤٨ سنة) ولؤي نمر المبيض (١٨ سنة)، وإصابة آخرين من أفراد عائلته، أثناء محاولتهم نقل بضاعة من محلهم عند المفترق، قبل وصول القوات العسكرية إلى المنطقة، قائلاً: "كل كلام الدنيا لا يستطيع أن يصف ما حدث."
أما عبد القادر دادر، أحد النازحين في مخيم دار السلام، يروي أن إطلاق النار كان بشكل كثيف من جهة الآليات العسكرية المتمركزة شرق حي الزيتون، ولم يكن هناك ما يحجب الرصاص سوى أقمشة الخيام. ويحكي لصحيفة "فلسطين": "بدأ الناس يرددون الدعاء والاستغفار ويتشهدون، وكأنهم يودعون الحياة."
البقاء تحت النار
فضل دادر ومعظم سكان المخيم عدم مغادرة المكان، رغم خطورته، موضحًا أن الانتقال إلى منطقة أخرى يحتاج إلى وسيلة نقل غير متوفرة، فيما تصل أجرة مركبة "التكتك" إلى نحو أربعة آلاف شيكل، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم النازحين.
ويستحضر تفاصيل الليلة السابقة بنبرة مليئة بالقهر أن "الخوف كان يسيطر على الجميع، كبارًا وصغارًا، فلا يغمض لهم جفن طوال الليل، في حين تتواصل أصوات القذائف وإطلاق النار بصورة يصفها بأنها "تشبه أهوال يوم القيامة".
ويشير إلى أن ما عاشه السكان ليس حادثًا استثنائيًا، وإنما واقع يتكرر بصورة شبه يومية، حيث يتواصل إطلاق النار من الآليات العسكرية، والطائرات المسيّرة، والزوارق الحربية، والمدفعية، في حين أصيب عدد من النازحين في المخيم قبل أيام.
ويختم حديثه بأن أكثر ما أثار الذعر تلك الليلة كان مشهد العائلات وهي تنزح على عجل، يحمل أفرادها ما استطاعوا من أمتعة، في حين بقي آخرون جالسين على جوانب الطرق، حائرين بين البقاء في مكان يهدده الموت أو خوض رحلة نزوح جديدة لا يعرفون إلى أين تنتهي.