اخبار اليوم - منذ اندلاع حرب الإبادة يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تحولت الطواقم الطبية في قطاع غزة، إلى هدف مباشر للهجمات الإسرائيلية، في مشهد وصفته منظمات دولية بأنه من أكثر الاعتداءات دموية على العاملين في المجال الصحي خلال العقود الأخيرة.
وأدى الاستهداف الإسرائيلي المتعمد، إلى خروج مستشفيات عن الخدمة، وتدمير عدد كبير من سيارات الإسعاف، واستشهاد وإصابة واعتقال أطباء وممرضين ومسعفين في أثناء أداء واجبهم الإنساني، في وقت كانت فيه الحاجة إليهم أكبر من أي وقت مضى.
وعاش مسؤول الإسعاف والطوارئ في شمال قطاع غزة سابقًا، فارس عفانة، تفاصيل يومية يصفها بأنها "تفوق قدرة الإنسان على الاحتمال"، بعدما وجد نفسه شاهدًا على استهداف زملائه، وفقد ابنه المسعف براء في 9 يونيو/ حزيران 2025، في حين واصل عمله في إنقاذ الجرحى بالرغم من إدراكه أن كل مهمة قد تكون الأخيرة في حياته.
أهداف القصف
وقال عفانة لصحيفة "فسطين": إن "ما تعرضت له المنظومة الصحية لم يكن أحداثًا متفرقة، بل سياسة ممنهجة هدفت إلى شل قدرة القطاع الصحي على الاستجابة".
وأكد أن الاحتلال دمر نسبة كبيرة من إمكانات الإسعاف والطوارئ، واستهدف الطواقم الطبية ومركبات الإسعاف بصورة مباشرة، في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني الذي يوفر حماية خاصة للعاملين في المجال الطبي في أثناء النزاعات المسلحة.
المسعفون في غزة في صورة جماعية قبل استشهاد بعضهم
واستعاد واحدة من أكثر الحوادث إيلامًا بالنسبة إليه، وهي مجزرة المسعفين في تل السلطان بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، أثناء تأدية مهامهم الإنسانية، يوم 23 مارس/ آذار 2025، عندما استشهد 19 من أفراد الإسعاف والدفاع المدني خلال أداء عملهم، قبل أن تُدفن جثامينهم ومركباتهم تحت الرمال، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.
وأضاف، أن هذه الجريمة لم تكن الوحيدة، فقد سبقتها وتلتها حوادث عديدة طالت المسعفين في أثناء استجابتهم لنداءات الاستغاثة، مؤكدًا أن سيارات الإسعاف التي تحمل الشارة الطبية لم تعد تشكل حماية لأطقمها، بل أصبحت هدفًا للقصف.
وبدا عفانة متأثرًا وهو يتحدث عن استشهاد ابنه براء، الذي كان يعمل مسعفًا، واستشهد مع اثنين من زملائه وصحفي، إثر استهداف إسرائيلي مباشر تعرضوا له في أثناء تأديتهم مهمة إنقاذ في حي التفاح، شرقي مدينة غزة.
وقال: "فقدت ابني وهو يؤدي واجبه الإنساني، لكنني عدت إلى عملي مباشرة، كنت أعلم أن براء اختار هذا الطريق عن قناعة، وأن واجبي يحتم عليّ مواصلة إنقاذ الناس كما كان يفعل".
وأكد عفانة أن فقدانه لنجله لم يدفعه إلى التراجع عن عمله، بل منحته إصرارًا أكبر على الاستمرار، رغم أن كل خروج في مهمة إسعافية كان يحمل احتمال عدم العودة.
وواصل حديثه: "كنا نودع بعضنا بعضًا قبل كل مهمة، خاصة تلك القريبة من أماكن وجود قوات الاحتلال، كنا نعرف أن العودة ليست مضمونة، لكن لم يكن لدينا خيار سوى الاستجابة لنداءات المواطنين".
هند رجب
ومن أكثر المشاهد التي لا تغيب عن ذاكرة عفانة، جريمة قتل الاحتلال للطفلة هند رجب، التي استشهدت بعد أيام من محاصرتها داخل مركبة مع أفراد من عائلتها، بينما تعرض طاقم إسعاف تابع للهلال الأحمر الفلسطيني كان في طريقه لإنقاذها بعد تنسيق مسبق، للقصف المباشر، ما أدى إلى استشهاد المسعفين داخل مركبتهم واحتراقها بالكامل.
ورأى أن هذه الحادثة شكلت دليلاً إضافيًا على حجم المخاطر التي تواجهها الطواقم الطبية، حتى في الحالات التي يجري التنسيق بشأنها عبر الجهات الدولية.
ولا تتوقف معاناة الطواقم الطبية عند الاستهداف الميداني، وفق عفانة، بل تمتد إلى الاعتقال وما يتخلله من ظروف قاسية، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من الأطباء والمسعفين اعتقلوا من المستشفيات ومقار عملهم، بينهم مدير مستشفى كمال عدوان الدكتور حسام أبو صفية، إلى جانب أطباء ومسعفين آخرين لا يزال عدد منهم رهن الاعتقال.
وأكد أن الشهادات التي وصلت من أسرى أفرج عنهم تحدثت عن تعرض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي والعزل الانفرادي، مبينًا أن الاحتلال "لا يفرق بين طبيب أو ممرض أو مسعف أو أي مواطن آخر، فجميعهم يتعرضون لأساليب قاسية داخل السجون".
شهادات صادمة
وأشار المسعف عفانة، إلى أن بعض الشهادات تضمنت روايات عن الشبح لساعات طويلة، والضرب المبرح، والإهانات، والحرمان من العلاج، مؤكدًا أن ما يجري داخل السجون "يبقى بعيدًا عن عدسات الإعلام وعن أعين المؤسسات الدولية".
كما أعرب عن قلقه الكبير على زملائه الذين المعتقلين في سجون الاحتلال، ومن بينهم المسعف ماهر العجرمي، وذلك بعد ورود شهادات عن تعرضه لتعذيب شديد هدد حياته، إضافة إلى معاناة عدد آخر من أفراد الطواقم الطبية.
وعلى الأرض، لم يكن الاستهداف أقل قسوة، إذ يروي عفانة، تفاصيل استهداف طواقم إسعافية في عزبة بيت حانون شمالي القطاع، عندما تعرضت سيارة إسعاف للقصف أثناء نقلها شهداء وجرحى، ما أدى إلى استشهاد المسعفين خالد عابد وحسين مطر، وإصابة نبيل صقر بجروح خطيرة.
وبين أن صور المسعفين الملطخة بالدماء وهم ملقون على الأرض بقيت شاهدة على طبيعة المخاطر التي واجهتها الطواقم الطبية منذ الأيام الأولى للحرب.
واعتبر عفانة، أن استهداف المنظومة الصحية كان جزءًا من خطة لإفراغ شمالي القطاع، من سكانه، موضحًا أن استمرار عمل المستشفيات وسيارات الإسعاف كان أحد أهم أسباب صمود المواطنين ورفضهم مغادرة مناطقهم.
وخلال العدوان العسكري الإسرائيلي الموسع، والذي عرف "بخطة الجنرالات"، وجد عفانة، نفسه وزملاؤه تحت نيران استهداف إسرائيلي متعمد، حال دون وصولهم إلى سيارات الإسعاف والدفاع المدني.
وأصبح نقل جرحى في بعض المناطق إبّان حرب الإبادة، يجري بواسطة عربات تجرها الحيوانات أو على أكتاف المواطنين، وقد تعرضت هذه الوسائل البدائية للاستهداف، ما أدى إلى استشهاد مزيد من المدنيين.
ورغم كل ما عاشه من فقد واستهداف، يؤكد عفانة، أن الطواقم الطبية التي نجت من القتل أو خرجت من الاعتقال عادت إلى عملها فور تمكنها من ذلك، إيمانًا برسالتها الإنسانية
وطالب المجتمع الدولي بالتحرك الجاد لحماية الطواقم الطبية، ومحاسبة قادة الاحتلال على جرائمهم، والعمل على إدخال سيارات الإسعاف وقطع الغيار والإطارات والبطاريات ومستلزمات استمرار الخدمة.
المصدر / فلسطين أون لاين