أخبار اليوم ـ عواد الفالح ـ هناك ظاهرة تستحق التوقف عندها، وربما تستحق شيئاً من الضحك أيضاً. يأتي شخص إلى الأردن، لا يحمل وراءه تاريخاً طويلاً من الشهرة، وربما لا يعرفه في بلده إلا محيط محدود، وبعد أسابيع قليلة يصبح عندنا «نجماً» تتسابق إليه الدعوات والإعلانات والكاميرات.
منذ لحظة الوصول تبدأ مراسم صناعة الشهرة الأردنية: منسف هنا، وعزومة هناك، وفنجان قهوة أمام الكاميرا، وصورة بالشماغ، وجولة في وادي رم، واستضافة في مطعم، وهدية من متجر، وإقامة من فندق، ثم عشرات المقاطع والصور التي تنتشر تباعاً، وبعد أيام تبدأ العبارة السحرية: «المشهورة فلانة تزور المكان الفلاني». مشهورة أين؟ في الأردن طبعاً... بعد أن جعلناها مشهورة!
ثم تبدأ المرحلة الثانية، وهي تحويل الشهرة التي صنعناها بأيدينا إلى قيمة إعلانية. مطعم يريدها، ومتجر يقدم لها الهدايا، وشركة تتعاقد معها، وجهة سياحية تستضيفها، وكل طرف يريد الاستفادة من «المشهورة» الجديدة، مع أن جزءاً كبيراً من شهرتها المحلية جاء أصلاً من هذا السباق على استضافتها. وهكذا ندخل في دائرة طريفة: نستضيفها لأنها مشهورة، ثم تصبح مشهورة لأننا استضفناها، وبعدها ندفع لها لأنها أصبحت مشهورة!
المسألة بالتأكيد لا تتعلق بجنسية أحد، ولا يوجد ما يعيب أن يأتي إلى الأردن صانع محتوى عربي أو أجنبي وأن يحظى بالترحيب والضيافة. الأردن بلد معروف بكرمه، ومن الجميل أن يزور ضيوفه البترا ووادي رم والبحر الميت، وأن يتعرفوا إلى المنسف والقهوة والعادات الأردنية، لكن المبالغة هي التي تجعل المشهد مادة للسخرية.
لدينا في الأردن شباب وشابات يعملون سنوات في صناعة المحتوى، وآخرون يبدعون في الفن والثقافة والرياضة وريادة الأعمال، وقد يقضي أحدهم أعواماً وهو يحاول بناء اسمه، بينما يستطيع القادم من الخارج أحياناً اختصار الطريق بجولة من ثلاث عزائم ومنسفين وليلة في وادي رم! وربما المشكلة أن ابن البلد يعرف المنسف منذ طفولته، ولذلك فقد أهم شرط من شروط الشهرة الحديثة: أن يتصور أمامه للمرة الأولى!
القصة تكشف أيضاً شيئاً في ثقافتنا الاجتماعية؛ فنحن نمنح القادم من الخارج أحياناً هالة إضافية لمجرد أنه قادم من الخارج، ثم تبدأ المنافسة على استضافته، وكل صورة جديدة تمنحه قيمة أكبر، حتى نجد أنفسنا أمام شخصية صنع جزءاً مهماً من شهرتها الأردنيون أنفسهم. والضيف في هذه الحالة لا ذنب له؛ وجد أبواباً مفتوحة، وعزائم جاهزة، وإعلانات تنتظره، فمن الطبيعي أن يستفيد منها.
الكرم الأردني قيمة نفتخر بها، ووادي رم يستحق أن يراه العالم، والمنسف خط أحمر لا نقاش فيه، لكن يبدو أننا أضفنا خدمة جديدة إلى قطاع السياحة الأردني: يأتي الشخص إلى الأردن زائراً، ونُعيده إلى بلاده مشهوراً... الإقامة علينا، والمنسف علينا، والإعلانات علينا، وحتى الشهرة علينا!