أخبار اليوم – سهم محمد العبادي
حظيت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى جمهورية الصين الشعبية باهتمام لافت في الإعلام الصيني، عكس مستوى التقدير الذي توليه بكين لجلالة الملك وللعلاقات مع الأردن، فيما أظهرت التغطيات الرسمية والإعلامية الصينية أن الزيارة لم تُقرأ بوصفها محطة دبلوماسية عابرة، وإنما باعتبارها خطوة مهمة نحو مرحلة جديدة من الشراكة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية بين البلدين.
ومنذ الإعلان عن الزيارة، حرصت وسائل الإعلام الصينية على إبراز حقيقة أنها الزيارة التاسعة لجلالة الملك إلى الصين منذ توليه سلطاته الدستورية، فيما وصفت صحيفة «الشعب» الصينية جلالته بأنه «صديق قديم للشعب الصيني»، معتبرة أن الزيارة تأتي عند نقطة انطلاق تاريخية جديدة للصداقة التقليدية بين البلدين. كما لفتت الصحيفة إلى أن جلالة الملك هو أول رئيس دولة عربية تستقبله الصين خلال العام الحالي، في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، وهو ما منح الزيارة بعداً سياسياً إضافياً في القراءة الصينية.
وقبل وصول جلالة الملك، عبرت وزارة الخارجية الصينية عن مستوى التطلع الرسمي للزيارة، وقال المتحدث باسمها لين جيان إن الصين والأردن تربطهما صداقة تقليدية، وإن العلاقات بين البلدين، في ظل التوجيه الاستراتيجي لجلالة الملك والرئيس شي جينبينغ، شهدت تعمقاً مستمراً وحققت نتائج مثمرة في مجالات التعاون المختلفة. وأعلنت بكين أنها تريد اتخاذ الزيارة فرصة لتعزيز الثقة السياسية وتوسيع التعاون ذي المنفعة المتبادلة ودفع الشراكة الاستراتيجية إلى مستوى جديد.
وكالة أنباء شينخوا واكبت الزيارة منذ محطتها الأولى في شنغهاي، واختارت لتغطيتها عنواناً يعكس نظرتها إلى ما تحمله الجولة: «ملك الأردن يزور شنغهاي: التطلع إلى فتح فصل جديد من التعاون بين الأردن والصين في مختلف المجالات». ولم تركز الوكالة على الجانب السياسي فقط، وإنما تابعت تحركات جلالته ولقاءاته ذات الطابع الاقتصادي والتكنولوجي والسياحي، وقدمت شنغهاي باعتبارها بداية لمسار يستهدف توسيع التعاون العملي بين البلدين.
وفي بكين، ارتفع مستوى الاهتمام الرسمي والإعلامي بالزيارة مع استقبال الرئيس الصيني شي جينبينغ لجلالة الملك في قاعة الشعب الكبرى، وإجراء مراسم الاستقبال الرسمية والمباحثات، إذ نقل الإعلام الصيني تأكيد الرئيس شي أن العلاقات بين الأردن والصين قامت منذ تأسيسها على الاحترام المتبادل والمساواة والتعاون ذي المنفعة المشتركة، ووصفها بأنها نموذج للتعاون بين دول تختلف في أنظمتها الاجتماعية وأحجامها.
صحيفة الشعب الصينية منحت الزيارة حضوراً بارزاً، وربطت بين زيارة جلالة الملك التاسعة وبين مسار طويل من التواصل بين القيادتين. كما أبرزت أن العلاقات التي انتقلت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2015 أصبحت أمام فرصة جديدة للتعمق، مع التركيز على التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي والتبادل بين الشعبين.
كما نقلت الصحيفة عن رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ تأكيده أن العلاقات الأردنية الصينية حافظت خلال السنوات الماضية على تطور صحي ومستقر، وأن التعاون العملي حقق نتائج مثمرة، مشيراً إلى استعداد الصين لتوسيع التجارة وتعزيز التعاون في الطاقة الخضراء والمركبات الكهربائية والاقتصاد الرقمي والابتكار الصناعي، إلى جانب السياحة والشباب والإعلام والتعاون المحلي.
China Daily أفردت بدورها مساحة واضحة للمباحثات الملكية الصينية ومراسم الاستقبال، وركزت على رؤية الرئيس شي لمستقبل العلاقات وعلى ضرورة إعطاء الشراكة الأردنية الصينية مضموناً أكبر وحيوية أوسع، بما يحقق مصالح الشعبين ويسهم في السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة.
وفي تغطية أخرى نشرتها «China Daily» نقلاً عن الإعلام المركزي الصيني، جاء العنوان على شكل سؤال يحمل دلالة واضحة: «ملك الأردن يزور الصين للمرة التاسعة.. كيف تكتب الصداقة الصينية الأردنية فصلاً جديداً؟»، وأشارت المادة إلى أن جلالة الملك سبق أن تحدث عن علاقته الطويلة بالصين وزياراته لها منذ شبابه.
وامتد التقدير الرسمي إلى المؤسسة التشريعية الصينية، إذ أكد رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني تشاو له جي، خلال لقائه جلالة الملك، أن العلاقات الأردنية الصينية، بقيادة جلالة الملك والرئيس شي، تعمقت بصورة مستمرة وأن التعاون بين البلدين حقق نتائج مثمرة، معرباً عن استعداد الصين لمواصلة الصداقة التقليدية وتعزيز التعاون العملي.
ولم تقتصر الزيارة على المباحثات السياسية في بكين، إذ حملت محطتا شنغهاي وشنجن بعداً اقتصادياً وتكنولوجياً واضحاً من خلال لقاء جلالة الملك قيادات الشركات والمؤسسات الصينية وزياراته لشركات تعمل في التكنولوجيا والروبوتات والسياحة والابتكار والخدمات اللوجستية، وهو ما جعل القطاع الخاص الصيني حاضراً بصورة مباشرة في برنامج الزيارة، وفتح قنوات عملية للانتقال من العلاقات السياسية إلى فرص الشراكة والاستثمار.
وجاءت الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي أُعلن عنها خلال الزيارة لتمنح هذا الاهتمام مضموناً عملياً. فالبيان المشترك الصادر في ختام المباحثات وصف محادثات جلالة الملك والرئيس شي بأنها «مثمرة»، وأكد توجه البلدين إلى تحويل الشراكة الاستراتيجية والصداقة القائمة بينهما إلى تعاون عملي أكثر شمولاً في مختلف المجالات.
واللافت في قراءة التغطية الصينية أن الأردن ظهر فيها بأكثر من صورة؛ شريك سياسي يحظى بالثقة، ودولة تتمتع بعلاقات مستقرة مع الصين، وبوابة يمكن من خلالها تطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري في المنطقة، إضافة إلى دوره في القضايا الإقليمية وعلاقاته مع العالم العربي.
كما ظهر جلالة الملك في الخطاب الإعلامي الصيني باعتباره قائداً تربطه بالصين علاقة ممتدة وليست وليدة هذه الزيارة، وهو ما يفسر تكرار الإشارة في وسائل الإعلام الصينية إلى الزيارة التاسعة، وإلى الصداقة التي تجمع جلالته بالصين وشعبها، وإلى دوره مع الرئيس شي في قيادة مسار العلاقات بين البلدين.
أما على مستوى الاستقبال الشعبي، فإن المصادر الصينية التي رصدتها «أخبار اليوم» لا توفر قياسات للرأي العام يمكن من خلالها الحديث عن موقف شامل للشعب الصيني من الزيارة، إلا أن حضورها في وسائل الإعلام الصينية الكبرى، وتغطية محطات جلالته في شنغهاي وشنجن وبكين، عكسا اهتماماً عاماً بالزيارة وبالأردن والعلاقة بين البلدين.
وبين استقبال رسمي على أعلى المستويات، واهتمام من المؤسسات الاقتصادية والتكنولوجية، وتغطية واسعة من كبريات وسائل الإعلام الصينية، خرجت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين بصورة حملت الكثير من التقدير السياسي والاهتمام الاقتصادي.