بقلم: [محمد حاتم الروسان]
يطرح الشارع العربي في كل جولة انتخابية أو استحقاق تشريعي السؤال الأزلي نفسه: لمن يدين النائب بولائه تحت قبة البرلمان؟ هل هو ممثلٌ للشعب الذي منحه صوته وأمانته، أم أنه يمرّ بالتدريج ليكون حليفاً للسياسات الحكومية ومدافعاً عن قراراتها حتى وإن كستها مرارة الرفض الشعبي؟
إن المسافة الفاصلة بين ثقة الناخب ومصلحة السلطة التنفيذية باتت تتسع وتضيق بحسب البوصلة التي يختارها النائب بنفسه، ليجد المواطن نفسه في حيرة متجددة أمام السؤال البارز: هل نرى اليوم "نائب شعب" ينحاز لنبض الشارع، أم "نائب حكومة" يُتقن تبرير جباية السياسات ورسم الخطط الرسمية؟
النائب الخادم للمواطن أم المبرر للحكومة؟
تأسست الفكرة البرلمانية في الأصل لتكون سلطة تشريعية ورابية، تضمن التوازن وتضع حدّاً لتغول السلطات. فالنائب ينزل إلى الدوائر الانتخابية متسلحاً بوعود معالجة التضخم، ودعم الفئات المجهدة، ومحاربة الفساد، وتوفير فرص العمل ، لكن ما إن يُغلق باب الاقتراع وتُعلن النتائج، حتى يتبدل الخطاب لدى البعض؛ فيتحول صوت النائب تحت القبة من نقد السياسات إلى البحث عن تسويات، ومن التعبير عن أوجاع الناخبين إلى تقديم الأعذار الحكومية وصياغتها بقالب "المصلحة الوطنية العليا".
عقدة "الخدمات" وتغييب الدور التشريعي
إن أحد أبرز الأسباب التي تدفع بالنائب ليكون "نائب حكومة" هو تحويل دوره من المراقبة والتشريع إلى مجرد "معقب معاملات" أو باحث عن "خدمات فردية" لأبناء دائرته. وهنا تبتزّ بعض الحكومات النائب من خلال إغراقه بالوعود والخدمات الجزئية لاستقطاب صوته في القرارات المصيرية والقوانين المفصلية (كالضرائب، الموازنات، والقوانين الماسة بالحريات). فيصبح النائب رهيناً لموافقة الوزير ليُرضي قواعده الانتخابية، مُضحّياً بالصورة الكلية للرقابة الحقيقية.
أزمة الثقة ومصير التجربة الديمقراطية
عندما يشعر المواطن أن النائب يرفع يده بالموافقة على كل ما تُقدمه الحكومة، يتسلل اليأس إلى التجربة السياسية برمتها . تتدنى نسب المشاركة في الانتخابات القادمة، وينشأ شرخ بين الشارع والمؤسسات الرسمية. إن غياب "نائب الشعب" الحقيقي لا يضر بالناخبين فحسب، بل يضر بالدولة نفسها؛ فالنائب الذي ينافق الحكومة لا ينصحها، ومن لا ينصح الحكومة يتركها تغرق في أخطائها دون تصحيح أو تقويم.
صوت الشعب أم صدى الحكومة؟
ختاماً، إن الوطن لا يحتاج إلى نواب يمارسون أدوار الاستعراض والمهاترات الصوتية، كما لا يحتاج إلى نواب يبصمون على كل قرار حكومي دون تمحيص أو مراجعة. إنما الحاجة الماسة هي لـ "نائب وطن وشعب"؛ يعرف متى يدعم الحكومة إذا أصابت من أجل مصلحة البلاد، ومتى يقف أمامها كالسد المنيع إذا حادت عن حقوق الناس وأثقلت كاهلهم.
على النائب أن يتذكر دائماً أن كراسي البرلمان زائلة، والصفات الرسمية مؤقتة، لكن الأثر الذي يتركه في حياة الناس والتاريخ هو الباقي. فهل يختار النائب أن يُسجل اسمه في ذاكرة الشعب كصوت جريح يدافع عن كرامتهم، أم يكتفي بأن يكون رقماً إضافياً في قائمة التمرير الحكومي؟