أخبار اليوم ـ يقف آلاف المرضى يومياً أمام شاشات هواتفهم بحيرة وقلق، يتطلعون إلى خانة الرسائل في انتظار كلمة واحدة من أطبائهم تطمئن قلوبهم، بينما تمر الساعات وتنقضي الأيام دون رد، ليتسلل الشك والتذمر إلى نفوسهم حول مدى اهتمام الطبيب أو تعاطفه. غير أن الحقيقة العلمية التي كشفت عنها أحدث الدراسات الطبية في مجلة (JAMA Network Open) الصادرة عن جامعة كولومبيا، عبر تحليل أكثر من 3 ملايين رسالة بين المرضى والكوادر الطبية، جاءت لتصدم الجميع؛ إذ تبين أن أسلوب صياغة الرسالة، ونبرة كلماتها، وتوقيت إرسالها هي العوامل التي تحدد ما إذا كانت رسالتك ستصل إلى شاشة الطبيب ليجيب عليها فوراً، أم ستتوه في أروقة الفرز الإلكتروني وتُهمل في القاع.
ويرى استشاري الأمراض الصدرية والحساسية وعضو مجلس نقابة الأطباء، الدكتور محمد حسن الطراونة، أن فهم الطبيعة الشاقة اليومية لعمل الأطباء يمثل المدخل الأساسي لحل هذه الإشكالية في الأردن. فاليوم الفعلي للطبيب لا يقتصر على الاستماع للرسائل، بل يتوزع بين جولات صباحية معقدة على أسرّة المرضى في المستشفيات، ومتابعة الحالات الحرجة في أسرّة العناية الحثيثة، ومباشرة العمليات الجراحية أو إجراء الفحوصات الدقيقة، وصولاً إلى معاينة المراجعين في العيادات لسنوات طوال دون انقطاع. هذا الجدول المزدحم يجعل تفقد الرسائل الرقمية يقتطع من أوقات استراحته القليلة، أو يتم خلال فترات فرز محددة بين المواعيد، مما يعني أن الرسائل المكتوبة بعشوائية أو المجهدة للقارئ ستُرجأ تلقائياً لحين توفر وقت أطول لقراءتها وفك رموزها.
ويتجلى بُعدٌ آخر لا يقل أهمية يتمثل في "توقيت الإرسال"، إذ يوضح الدكتور الطراونة أن إرسال الاستفسارات في منتصف الليل، أو خلال ساعات الفجر، أو أثناء العطلات الرسمية وأيام أواخر الأسبوع—ما لم تكن الحالة طارئة تستدعي المستشفى—غالباً ما يؤدي إلى تراكم الرسالة تحت عشرات الرسائل الأخرى التي تصل مع بداية يوم العمل التالي، مما يقلل فرصة مراجعتها سريعاً. في المقابل، فإن اختيار التوقيت الميداني المناسب، كإرسال الرسالة في بداية ساعات الدوام الرسمي صباحاً أو في منتصف النهار، يرفع بشكل ملحوظ من احتمالية وصولها وحصولها على انتباه الكادر الطبي أو فريق الفرز الإلكتروني في الوقت المخصص لمراجعة البريد.
ويؤكد الدكتور محمد حسن الطراونة أن الرسالة التي يبعث بها المريض ليست مجرد استفسار عابر، بل هي أولى خيوط التشخيص الطبي، حيث إن الاختصار المخل والعبارات المبهمة مثل "أنا تعبان يا دكتور" أو "السعال مزعج ماذا أتناول؟" تشكل عائقاً حقيقياً يربك الطبيب ويمنعه من تقديم تقييم آمن دون الاطلاع على الصورة الكاملة. وفي المقابل، فإن صياغة الرسالة بكيفية ذكية تبدأ بتحية راقية، وتنتقل لسرد الأعراض بدقة من حيث تاريخ ظهورها وتطورها ومدى تأثيرها على الأنشطة اليومية والنوم، مع التذكير السريع بالتاريخ المرضي كالإصابة بالربو أو الحساسية، يمنح الكادر الطبي الرؤية الواضحة التي تدفعه للاستجابة السريعة وتوفير التوجيه الصحيح.
ولا يتوقف الأمر عند حدود تنظيم الرسالة وتوقيتها، بل يتعداه إلى خطر داهم يقع فيه الكثيرون عندما يتحول الهاتف إلى بديل لغرفة الطوارئ. وهنا يوجه استشاري الأمراض الصدرية تحذيراً شديد اللهجة للمواطنين، مؤكداً أن الأعراض الحادة والطارئة—مثل ضيق التنفس الشديد، أو الآلام الضاغطة في الصدر، أو الهبوط المفاجئ في مستويات الأكسجين—تتطلب تحركاً ميدانياً فورياً نحو أقسام الطوارئ أو استدعاء الإسعاف دون إضاعة ثانية واحدة في انتظار رد إلكتروني قد يتأخر، لأن منصات التواصل والرسائل الرقمية صُممت للاستشارات التكميلية والمتابعات الدورية فقط، وليست لإنقاذ الحياة في لحظات الخطر الفاصلة.
إن الارتقاء بثقافة التواصل الرقمي بات ضرورة ملحة لحماية المنظومة الصحية الأردنية وتخفيف الأعباء الجسيمة على الكوادر الطبية؛ فالطبيب الذي يوازن يومياً بين مسؤولياته الإكلينيكية والميدانية يحتاج من مريضه أن يكون شريكاً واعياً في كيفية ومتى يُراسل. وتستمر نقابة الأطباء الأردنية في ترسيخ هذه المفاهيم لضمان مد جسور الثقة والاحترام المتبادل، حيث يبدأ العلاج الناجح دائماً من كلمة طيبة وصياغة واعية تضمن وصول الصوت الصحيح في الوقت المناسب