أخبار اليوم - اعادت محكمة بداية جزاء الزرقاء بصفتها الاستئنافية فتح ملف قضائي لواقعة غير اعتيادية، بعدما دخل مشتكى عليه الى منزل في الزرقاء ليلا مرتديا زيا عسكريا برتبة عميد، وبحوزته سيف وحربة وسكين ومشرط، وقام باخراج اصحاب المنزل منه، قبل ان تضبطه الشرطة داخل المنزل.
القضية لم تكن تدور فقط حول الافعال التي وقعت داخل المنزل، والتي شملت بحسب بينات الدعوى خلع الابواب واشهار الاسلحة، وانما حول سؤال اكثر تعقيدا: هل كان المشتكى عليه مدركا لما يفعله لحظة ارتكاب الافعال، ام ان مرضه النفسي افقده القدرة على ادراك كنه اقواله وافعاله؟
محكمة صلح جزاء الزرقاء كانت قد انتهت في قرارها الاول الى اعلان عدم مسؤولية المشتكى عليه عن الجرائم المسندة اليه، لعدم ادراكه كنه اقواله وافعاله حينها، وقررت وضعه تحت اشراف مراقب السلوك لمدة سنة.
لكن النيابة العامة استأنفت القرار، معتبرة ان التقرير الطبي الموجود في الملف لا يثبت فقدان الادراك، بل يشير الى ان الحالة العامة للمشتكى عليه مستقرة وانه مدرك لاقواله وافعاله.
وبعد دراسة الملف والبينات والتقارير الطبية، توصلت محكمة الاستئناف الى نتيجة مختلفة، وفسخت القرار السابق، معتبرة ان وجود مرض نفسي لا يعني تلقائيا انعدام المسؤولية الجزائية، وان المسالة الحاسمة هي اثبات حالة الشخص وقت ارتكاب الفعل.
ووفق القرار الذي اطلع عليه موقع “صوت عمان”، فقد شكلت مسالة "عدم الادراك" محور الحكم، خصوصا في ظل عدم وجود جزم طبي بان المشتكى عليه كان يمر بحالة ذهانية في لحظة ارتكاب الافعال.
ليلة الواقعة.. زي عسكري واسلحة داخل المنزل
تعود احداث القضية الى مساء 29 ايار 2025، عندما توجه المشتكى عليه الى منزل المشتكيين في الزرقاء، ودخل اليه في وقت كان فيه اصحاب المنزل موجودين.
وبحسب ما ورد في القرار، كان المشتكى عليه يرتدي زيا عسكريا برتبة عميد، ويحمل بحوزته سيفا وحربة وسكينا ومشرطا.
وافاد المشتكي في شهادته امام المحكمة انه كان موجودا داخل منزله عندما قامت زوجته بايقاظه بعد سماع طرق قوي على الباب، قبل ان يكتشف ان المشتكى عليه دخل الى المنزل بعد خلع الباب الخارجي.
وقال المشتكي ان المشتكى عليه كان يقف في الصالون وبحوزته حربة وسيف، وطلب منه ومن زوجته الخروج من المنزل.
وبحسب الشهادة، طلبت الزوجة وقتا لارتداء ملابسها “اليانس”، فوافق المشتكى عليه، وقال لها ان امامها وقتا حتى ينهي سيجارته، محذرا من حدوث شيء اخر في حال عدم الخروج. وغادر الزوجان المنزل، فيما بقي المشتكى عليه داخله الى حين وصول الشرطة.
كما اشار المشتكي الى ان المشتكى عليه كان قد حضر الى المنزل في مرات سابقة، وفي احدى المرات قام بضرب الباب الخارجي بالسيف قبل ان يغادر بعد ابلاغ الشرطة.
اما الزوجة، فقد قدمت شهادة اخرى تحدثت فيها عن حضور المشتكى عليه سابقا الى المكان، قبل ان يعود في ليلة الواقعة مرتديا الزي العسكري ذاته، ويحمل سيفا وحربة.
وقالت ان المشتكى عليه قام بالطرق على الباب بالحربة، ثم كسر باب المنزل ودخل، وطلب منها ومن زوجها النزول الى الخارج.
وبحسب شهادتها، لم يوجه لهما عبارات محددة بالتهديد خلال وجوده داخل المنزل، وكانت تصرفاته، كما وصفتها، طبيعية، فيما كانت نظراته متجهة الى الارض، وكان يكرر طلبه منهما بالنزول.
وحضرت الشرطة الى المكان وطرقت الباب وعرفت عن نفسها وطلبت من الموجود داخله فتح الباب، وبعد نحو خمس دقائق قام المشتكى عليه بفتح الباب، ليتم ضبطه وتقييده.
وكان المشتكى عليه يرتدي زي عسكري برتبة عميد ويحمل حربة وسيفا، وكان وجهه ملثما ولم تكن ظاهرة منه سوى عيناه، مشيرا الى انه لم يقاوم رجال الامن واستجاب لهم عند ضبطه.
وبعد التحقيق، اسندت الى المشتكى عليه ستة افعال جرمية، هي التهديد بواسطة السلاح، وحمل وحيازة اداة حادة، واقلاق الراحة العامة، وخرق حرمة المنازل ليلا، وانتحال صفة موظف، والحاق الضرر بمال الغير.
من عدم المسؤولية الى اعادة القضية.. ماذا قالت المحكمة عن الادراك؟
بعد ظهور معاناة المشتكى عليه من مرض نفسي، تعاملت محكمة الدرجة الاولى مع المسالة باعتبارها مؤثرة في مدى مسؤوليته الجزائية، وانتهت الى اعلان عدم مسؤوليته عن الجرائم المسندة اليه بسبب عدم ادراكه كنه اقواله وافعاله وقت الواقعة. كما قررت المحكمة وضعه تحت اشراف مراقب السلوك لمدة سنة.
الا ان النيابة العامة طعنت بالقرار، وركزت في استئنافها على التقرير الطبي الموجود في ملف الدعوى، معتبرة ان ما ورد فيه لا يبرر اعلان عدم المسؤولية، وان المشتكى عليه كان مدركا لاقواله وافعاله.
وعند نظر الاستئناف، لم تتعامل محكمة بداية جزاء الزرقاء بصفتها الاستئنافية مع المرض النفسي باعتباره سببا تلقائيا لانتفاء المسؤولية.
بل عادت الى المادة 233 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، والتي وضعت تنظيما خاصا للحالات التي يظهر فيها ان المشتكى عليه مصاب بمرض نفسي او اعاقة عقلية.
وبحسب المحكمة، فان القانون يفرق بين الشخص المصاب بمرض نفسي وبين الشخص الذي تكون حالته النفسية قد جعلته غير قادر على ادراك كنه اعماله وقت ارتكاب الفعل.
وهذه النقطة كانت جوهر الخلاف بين القرارين. فالمحكمة اشارت الى ان الاصل عند وقوع الجريمة ان يكون الفاعل سليم العقل، وفقا للمادة 91 من قانون العقوبات، الى ان يثبت العكس.
كما بينت ان المادة 233 لا تكتفي بمجرد وجود مرض نفسي، وانما ترسم طريقا للتثبت من حالة المشتكى عليه، من خلال وضعه تحت رقابة ثلاثة اطباء مختصين من القطاع العام، للمدة اللازمة وتزويد المحكمة بتقرير طبي عن وضعه المرضي.
وبحسب القرار، اذا تبين للمحكمة ان المشتكى عليه غير اهل للمحاكمة ولا يفهم مجرياتها، تتخذ الاجراءات التي حددها القانون، اما اذا تبين ان المرض النفسي جعله عاجزا عن ادراك كنه اعماله وقت ارتكاب الفعل، فتطبق الاحكام الخاصة بعدم المسؤولية الجزائية.
وهنا عادت المحكمة الى التقرير الطبي المتعلق بالمشتكى عليه. فقد ورد في كتاب وزارة الصحة، بحسب الحكم، ان المشتكى عليه يعاني من الذهان الناتج عن استخدام المؤثرات العقلية، وانه خضع للعلاج واصبح مدركا لاقواله وافعاله، وقادرا على المثول امام المحكمة وفهم مجرياتها.
لكن التقرير تضمن ايضا عدم الجزم فيما اذا كان المشتكى عليه يمر بحالة ذهانية في تاريخ قريب من الواقعة. وهذه النقطة تحديدا لم تعتبرها محكمة الاستئناف كافية للقول بانتفاء الادراك.
لماذا لم تعتبر المحكمة الشك دليلا على فقدان الادراك؟
رأت المحكمة ان عدم الجزم بوجود حالة ذهانية في وقت ارتكاب الافعال لا يعني ثبوت ان المشتكى عليه كان فاقدا للادراك.
وبحسب حيثيات الحكم، لا يمكن الانتقال من مجرد احتمال وجود حالة ذهانية الى نتيجة قانونية مفادها ان الشخص كان عاجزا عن ادراك كنه اعماله.
فالمرض النفسي، كما يظهر من منطق الحكم، مسالة طبية، بينما عدم المسؤولية الجزائية نتيجة قانونية تحتاج الى اثبات ان الحالة المرضية اثرت فعلا على الادراك وقت وقوع الجريمة. وهذا ما جعل المحكمة تعود الى قرينة سلامة العقل المنصوص عليها في المادة 91 من قانون العقوبات.
فطالما ان فقدان الادراك وقت ارتكاب الافعال لم يثبت لديها، وطالما ان التقرير الطبي لم يحسم ان المشتكى عليه كان في حالة ذهانية خلال الواقعة، فقد اعتبرت ان الاصل القانوني المتمثل بسلامة العقل يبقى قائما.
وفي الوقت ذاته، اكدت المحكمة ان الوقائع المادية نفسها كانت ثابتة لديها من خلال البينات.
فقد ثبت لديها دخول المشتكى عليه الى منزل المشتكيين دون اذن، ورفضه الخروج، واخراجه لهما من المنزل، وحمله حربة وسيفا وسكينا ومشرطا، وارتداؤه الزي العسكري برتبة عميد، وقيامه بخلع باب الشقة وضرب باب اخر بالادوات التي كانت بحوزته.
واعتبرت المحكمة ان هذه الوقائع تشكل، من حيث العناصر المادية، اركان الجرائم المسندة اليه، الا ان محكمة الدرجة الاولى اتجهت الى عدم المسؤولية بسبب حالة الادراك.
وبما ان محكمة الاستئناف توصلت الى نتيجة مختلفة بشأن هذه المسالة، فقد رأت ان القرار المستأنف لا يمكن الابقاء عليه.
واشارت المحكمة كذلك الى قرار سابق لمحكمة التمييز بصفتها الجزائية رقم 1542 لسنة 2021، في معرض بيانها للمنهج القانوني المتعلق بالتعامل مع المريض النفسي واجراءات التحقق من حالته.
الحكم.. فسخ عدم المسؤولية واعادة الملف
بعد وزن البينات ومراجعة النصوص القانونية والتقرير الطبي، قررت محكمة بداية جزاء الزرقاء بصفتها الاستئنافية قبول استئناف النيابة العامة موضوعا. وقررت فسخ القرار الصادر عن محكمة صلح جزاء الزرقاء، والذي كان قد اعلن عدم مسؤولية المشتكى عليه ووضعه تحت اشراف مراقب السلوك لمدة سنة.
كما قررت اعادة الاوراق الى مصدرها للسير في الدعوى على هدي ما ورد في قرارها، وذلك حتى لا يتم تفويت مرحلة من مراحل التقاضي بحق المشتكى عليه، باعتبار ان الاستئناف مقدم من النيابة العامة وان القرار السابق صدر بمثابة الوجاهي وكان قابلا للاعتراض.