هل كانت قصة طائرة فلاي دبي فيلمًا هنديًا لخدمة نتنياهو انتخابيًا؟

mainThumb
هل كانت قصة طائرة فلاي دبي فيلمًا هنديًا لخدمة نتنياهو انتخابيًا؟

01-10-2026 08:18 AM

printIcon

أخبار اليوم ـ محلل الشؤون السياسية - منذ الساعات الأولى لحادثة طائرة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب، بدأت الروايات تتغير وتتبدل بصورة لافتة، حتى تحولت الحادثة من واقعة أمنية وجوية خطيرة إلى حكاية تتدفق تفاصيلها تباعًا، فيما دخل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الخط وقدم بنفسه رواية لما جرى داخل قمرة القيادة.

الثابت حتى الآن أن الرحلة FZ1073 غادرت دبي باتجاه تل أبيب قبل أن تتعرض لحادث داخل قمرة القيادة، وأن الطائرة غيرت مسارها وهبطت اضطراريًا في تبوك السعودية. كما أكدت «فلاي دبي» وقوع مشاجرة داخل قمرة القيادة، وقالت إن أفرادًا من طواقمها كانوا مسافرين على متن الرحلة تمكنوا من تأمين الطائرة وتحويل مسارها والهبوط بها بسلام، فيما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني الإماراتية وقوع حادث أمني وفتح تحقيق بشأنه.

لكن منذ تلك اللحظة بدأت التفاصيل تتزاحم والتساؤلات تكبر. في البداية انتشرت روايات تقول إن قائد الطائرة روسي ومساعده أوكراني، ثم ظهرت روايات أخرى تتحدث عن قائد إماراتي ومساعد عُماني، قبل أن تدخل وسائل إعلام هندية على الخط وتقول إن قائد الطائرة هندي ويدعى «سميت ماتشار». أما مساعد الطيار، الذي أصبح محور القصة كلها، فبقيت المعلومات المتداولة بشأن هويته وجنسيته ودوافعه بحاجة إلى حسم رسمي واضح.

الرواية الإسرائيلية ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير. نتنياهو قال إن مساعد الطيار هاجم قائد الطائرة وحاول على ما يبدو إسقاطها، وإن القائد المصاب تمكن من فتح باب قمرة القيادة، قبل أن يتدخل آخرون للسيطرة على المهاجم، فيما تولى طيارون آخرون كانوا موجودين على متن الرحلة قيادة الطائرة والهبوط بها. وهنا تبدأ الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات فنية وأمنية دقيقة، بعيدًا عن الروايات المتداولة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

إذا كان مساعد الطيار استخدم أداة حادة في الاعتداء، فكيف وصلت هذه الأداة إلى الطائرة وإلى قمرة القيادة تحديدًا رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي يخضع لها الطاقم قبل الرحلات؟ وما طبيعة الأداة التي استخدمت أصلًا؟ وإذا كانت المشاجرة قد وقعت داخل القمرة والطائرة شهدت انحدارًا سريعًا، فمن كان يتحكم بالطائرة خلال تلك اللحظات؟ وكيف تمكن قائد الطائرة، وهو مصاب وفي خضم مواجهة داخل مساحة ضيقة، من استعادة السيطرة والتعامل مع الطائرة وفتح باب القمرة في الوقت نفسه؟

ويبرز سؤال آخر: كيف عرف الموجودون خارج قمرة القيادة أن مواجهة تجري في الداخل حتى يتدخلوا؟ ومن الذي دخل القمرة أولًا؟ وكيف تم التعامل مع المهاجم والسيطرة عليه في مساحة يفترض أنها من أكثر الأماكن تحصينًا وحساسية على متن الطائرة؟ هذه التفاصيل مهمة لأنها تشكل التسلسل الحقيقي للحادث، وحتى الآن ما ظهر منها جاء في معظمه عبر الرواية الإسرائيلية وتصريحات نتنياهو والتغطيات الإعلامية.

أما وجود طيارين آخرين على متن الرحلة، فهو بدوره يحتاج إلى توضيح. «فلاي دبي» قالت إن أفرادًا من طواقمها كانوا مسافرين على متن الطائرة وتمكنوا من تأمين الرحلة والهبوط بها، وهذا لا يعني بالضرورة وجود «طاقم احتياطي» جرى وضعه مسبقًا على الرحلة. لكن وجود طيارين مؤهلين في اللحظة ذاتها التي احتاجت فيها الطائرة إلى من يتولى قيادتها بعد الحادث يفتح الباب أمام سؤال طبيعي عن طبيعة وجودهم على الرحلة ومهمتهم وسبب سفرهم، وهي معلومات تستطيع الشركة حسمها بسهولة ضمن روايتها التفصيلية للحادث.

الأمر الأكثر إثارة للنقاش هو سرعة دخول نتنياهو شخصيًا على خط القضية وتقديمه تفاصيل دقيقة لما جرى داخل قمرة القيادة، بينما كانت التحقيقات لا تزال في بدايتها. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: من أين حصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بهذه السرعة على الرواية الكاملة لما وقع داخل طائرة هبطت اضطراريًا في الأراضي السعودية وكانت السلطات المختصة لا تزال تحقق في ملابسات ما حدث؟

القضية تصبح أكثر حساسية عندما تدخل السياسة على الخط. إسرائيل تعيش حساباتها الداخلية واستحقاقاتها السياسية والانتخابية، ونتنياهو يعرف جيدًا قيمة أي حادث أمني في مخاطبة جمهوره، ولذلك فإن السؤال حول إمكانية توظيف الحادثة سياسيًا وإعلاميًا يبقى قائمًا. لكن هذا شيء، والقول إن الحادثة نفسها صنعت من أجل خدمة نتنياهو انتخابيًا شيء آخر يحتاج إلى أدلة لا توفرها المعلومات المنشورة حتى الآن.

الحادث الأمني وقع بالفعل، والطائرة هبطت في تبوك، و«فلاي دبي» أقرت بوقوع مشاجرة داخل قمرة القيادة، والجهات الإماراتية أعلنت فتح التحقيق. هذه حقائق يمكن البناء عليها. أما الدافع، وهوية المعتدي الكاملة، وطبيعة الأداة المستخدمة، وكيف بدأت المواجهة، ومن كان يقود الطائرة خلال لحظاتها الأخطر، وكيف فتح باب القمرة، وكيف عرف الموجودون خارجها بما يحدث، وكيف انتقلت القيادة إلى طيارين آخرين، فهذه أجزاء أساسية من القصة ما زالت بحاجة إلى رواية رسمية متكاملة.

وتبقى المفارقة أن جنسية قائد الطائرة وحدها مرت بعدة روايات قبل أن تظهر التقارير التي تحدثت عن كونه هنديًا، بينما بقي الرجل الآخر، الذي تدور حوله أخطر الاتهامات في الحادثة، أقل حضورًا في المعلومات المعلنة. وبين رواية هندية ورواية إسرائيلية وبيانات رسمية مقتضبة، أصبح من الصعب الفصل بين ما حدث فعلًا داخل القمرة وما أضيف إلى القصة بعد هبوط الطائرة.

لذلك، فإن الإجابة عن السؤال: هل كانت قصة طائرة «فلاي دبي» فيلمًا هنديًا لخدمة نتنياهو انتخابيًا؟ لا تأتي من كثرة الروايات ولا من سرعة انتشارها، وإنما من نتائج التحقيقات وتسجيلات قمرة القيادة وبيانات الرحلة وشهادات أفراد الطاقم والركاب. وحتى ظهور هذه النتائج، تبقى أمامنا حادثة حقيقية أحاطت بها روايات كثيرة وأسئلة أكثر، فيما كان نتنياهو من أسرع الذين قدموا للجمهور قصة شبه مكتملة عن حادثة كانت الجهات المختصة لا تزال تحقق فيها.