أخبار اليوم - تالا الفقيه - مع انتشار تطبيقات النقل الذكي، أصبح الوصول إلى سيارة عبر الهاتف أسهل من أي وقت مضى، وباتت العروض والخصومات جزءاً أساسياً من المنافسة على جذب الركاب، لكن خلف هذه العروض قصة أخرى يرويها السائقون عن دخل يتراجع وكلفة تشغيل ترتفع.
«أغلب التطبيقات غير منتظمة بالتسعيرة.. كلها كودات خصم»، بهذه الكلمات يصف أحد السائقين واقعاً يقول إنه بات يضغط على العاملين في القطاع، مشيراً إلى أن الخصومات التي تظهر للراكب لا تعني بالضرورة أن السائق يتحملها بشكل عادل، فيما تبقى السيارة واستهلاكها والوقود والصيانة مسؤولية السائق.
السائق الذي يخرج إلى الشارع بحثاً عن مصدر رزقه يجد نفسه أمام معادلة صعبة؛ يعمل لساعات طويلة، ينتظر الطلبات، يقطع مسافات للوصول إلى الراكب، ثم يقتطع التطبيق جزءاً من قيمة الرحلة، بينما قد تؤدي العروض والخصومات إلى انخفاض المبلغ الذي يحصل عليه مقابل الرحلة.
وبين سعر الوقود، وصيانة المركبة، والإطارات، والزيوت، والاستهلاك المستمر للسيارة، لا ينظر السائق إلى قيمة الرحلة كما تظهر على شاشة الهاتف، بل إلى ما يتبقى فعلياً في نهاية اليوم.
أما الراكب، فغالباً ما ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة؛ كود خصم يعني رحلة أرخص، وعرض جديد يعني توفيراً في كلفة التنقل، وهو ما يجعل العروض وسيلة فعالة لجذب المستخدمين وزيادة الطلب على التطبيقات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى: من يتحمل كلفة هذا التخفيض؟
السائقون يرون أن المنافسة بين التطبيقات والعروض المستمرة لا ينبغي أن تتحول إلى ضغط على العامل الذي ينفذ الرحلة فعلياً. فالمركبة التي تصل إلى باب الراكب لا تعمل بالخصم، والوقود لا ينخفض سعره بسبب الكود، والصيانة لا تتوقف عندما تكون الرحلة ضمن عرض ترويجي.
وبحسب السائقين، فإن المشكلة لا ترتبط فقط بقيمة الرحلة الواحدة، وإنما بتراكم الفروقات على مدار اليوم. رحلة بعد أخرى، وكيلومتر بعد آخر، تتحول المبالغ الصغيرة إلى فارق ملموس في الدخل الشهري.
وفي الوقت الذي تستفيد فيه التطبيقات من زيادة قاعدة المستخدمين وجذب مزيد من الطلبات من خلال العروض، يجد السائق نفسه أمام واقع مختلف؛ كلما زادت المنافسة على السعر، أصبح عليه العمل أكثر حتى يصل إلى الدخل الذي كان يستطيع تحقيقه بعدد أقل من ساعات العمل.
ولا يعني ذلك أن تطبيقات النقل لا تقدم فائدة للمواطن؛ فهي وفرت وسيلة سهلة لطلب المركبة، وأسهمت في تنظيم جزء من سوق النقل، ومنحت كثيراً من المستخدمين خيارات إضافية في التنقل. لكن توسع هذا القطاع يفتح في المقابل أسئلة تتعلق بالتسعير، والعمولات، والخصومات، وحقوق السائق، ومدى وضوح آلية احتساب أجرة الرحلة.
فالسائق ليس مجرد طرف ينفذ الطلب، بل هو الحلقة التي تحمل المركبة وتتحمل الوقود والصيانة والاستهلاك ومخاطر الطريق. وعندما تتراجع قيمة الرحلة بالنسبة إليه، فإن تأثير ذلك لا يتوقف عند حساب مالي على شاشة التطبيق، بل يمتد إلى قدرته على الاستمرار في العمل.
المعادلة في النهاية بسيطة: الراكب يريد سعراً أقل، والتطبيق يريد جذب مزيد من المستخدمين، والسائق يريد أن يبقى له من الرحلة ما يستحق ساعات عمله وكلفة مركبته.
وبين هذه المصالح، تبقى الحاجة إلى تسعيرة واضحة وشفافة، وآلية عادلة للخصومات والعمولات، تضمن ألا تتحول المنافسة على جذب الراكب إلى معركة يدفع السائق كلفتها من دخله.
فحين يقول السائق إن «الشوفير مجبور على هذا الحكي»، فإن القضية تتجاوز رحلة واحدة أو كود خصم واحد؛ إنها سؤال عن مستقبل مهنة أصبح الهاتف فيها بوابة الرزق، لكن شروط العمل ودخل السائق باتا مرتبطين بما تقرره خوارزمية التطبيق وسياسة التسعير والعروض.
وفي النهاية، قد يبدو الخصم للمستخدم مجرد مبلغ صغير وفره في رحلة، لكنه بالنسبة للسائق قد يكون جزءاً من كلفة يوم كامل على الطريق.