أخبار اليوم - ثلاث سنوات مرّت على 7 تشرين الأول 2023، اليوم الذي أطلق حربا واسعة في قطاع غزة، وأعاد رسم المشهد الأمني والسياسي في الشرق الأوسط، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي.
في ذلك اليوم، شنت حركة حماس هجوما على بلدات ومواقع إسرائيلية محاذية لقطاع غزة، وردت إسرائيل بحرب واسعة على القطاع خلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى ودمارا هائلا؛ قبل أن يدخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول 2025.
وأدى الاتفاق إلى الإفراج عن أسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال ومحتجزين إسرائيليين في قطاع غزة، فيما اكتملت عودة جميع المحتجزين الإسرائيليين، أحياء وجثامين، إلى إسرائيل في كانون الثاني 2026.
لكن وقف إطلاق النار لم يحسم الملفات الأساسية المتعلقة بمستقبل القطاع، وفي مقدمتها سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، وإدارة غزة وإعادة إعمارها.
غزة.. حصيلة بشرية ودمار هائل
بلغت حصيلة الحرب، وفق أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة في 6 تشرين الأول 2026، 74.245 شهيدا و175.267 جريحا. ومنذ وقف إطلاق النار، وفقا لآلية الاحتساب التي تعتمدها الوزارة، سجلت 1.462 شهيدا و5.151 جريحا، فيما انتشلت جثامين 836 شهيدا.
وتظهر حجم الخسائر أيضا في الدمار الذي طال المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 82% من منشآت غزة تضررت، فيما يقدر تقييم مشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي أن أكثر من 371 ألف وحدة سكنية دمرت أو تضررت، وأن أكثر من نصف المستشفيات خرج عن الخدمة، بينما تضررت أو دمرت غالبية المدارس.
ولم يتوقف أثر الدمار عند انتهاء العمليات العسكرية واسعة النطاق، إذ لا يزال سكان القطاع يواجهون نقصا في المساكن والخدمات الأساسية ومخاطر المباني المتضررة.
خطر جديد فوق الركام
أصبح آلاف الفلسطينيين يعيشون في مبان تضررت بفعل الحرب ولم تعد آمنة.
وتقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 4 آلاف مبنى غير آمن في غزة يحتاج إلى هدم كلي أو جزئي، فيما لا يزال أكثر من 2300 منها مأهولا، ويقيم فيها نحو 44 ألف شخص. كما يعيش نحو 13% من سكان القطاع في مواقع معرضة للفيضانات أو داخل مبان غير آمنة.
وتقول وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة إن أكثر من ألفي مبنى مصنف خطر أو معرض للانهيار، بينها نحو 250 مبنى تحتاج إلى إزالة عاجلة، فيما يقدر التمويل الأولي المطلوب لهدم هذه المباني وإزالة أنقاضها بنحو 16 مليون دولار.
وتواجه عمليات إزالة الركام ونقل السكان نقصا في المعدات الثقيلة والوقود والتمويل، ما يجعل معالجة آثار الحرب نفسها تحديا ممتدا إلى ما بعد وقف إطلاق النار.
إعادة الإعمار.. مهمة تتجاوز التمويل
يقدر التقييم المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال أول 18 شهرا. وتقدر الأضرار المادية بنحو 35.2 مليار دولار، فيما تصل الخسائر الاقتصادية والاجتماعية إلى 22.7 مليار دولار.
ولا تتعلق إعادة الإعمار بتوفير الأموال فقط، بل تحتاج أيضا إلى أمن مستقر، ودخول مواد البناء والمعدات، وإزالة الركام والذخائر، وترتيبات واضحة لإدارة القطاع.
وفي هذا السياق، لا تزال الأموال المتاحة أقل بكثير من حجم الاحتياجات، فيما تشير تقديرات حديثة إلى أن خطة تمويل أولية بقيمة 2.45 مليار دولار لا تمثل سوى جزء صغير من الكلفة المطلوبة.
"اليوم التالي".. من يحكم غزة ومن يحمل السلاح؟
كان وقف إطلاق النار خطوة أولى في خطة أوسع تضمنت الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وزيادة المساعدات، وانسحابا إسرائيليا جزئيا.
لكن المرحلة التالية بقيت موضع خلاف، خصوصا بشأن نزع سلاح حماس، وشكل الإدارة الفلسطينية، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وترتيبات الأمن.
وتتضمن الخطة الأميركية إدارة فلسطينية انتقالية وقوة استقرار دولية، على أن يجري لاحقا انسحاب إسرائيلي تدريجي، لكن قوة الاستقرار لم تتشكل بصورة كاملة حتى الآن، فيما لم تدخل الإدارة الفلسطينية الانتقالية القطاع.
وفي المقابل، تتمسك إسرائيل بنزع سلاح حماس قبل الانسحاب الكامل، بينما أبدت الحركة استعدادا لمناقشة التخلي عن السلاح في إطار ترتيبات دولية، لكن الخلاف بشأن آلية ذلك لا يزال قائما.
وبحسب رويترز، تسيطر إسرائيل حاليا على نحو ثلثي مساحة القطاع، ما يجعل قضية الانسحاب وترتيبات الأمن جزءا مركزيا من أي تسوية مقبلة.
إسرائيل.. صدمة أمنية وتداعيات سياسية
أحدث هجوم 7 تشرين الأول صدمة أمنية وسياسية كبيرة في إسرائيل، وأطلق مراجعات وتحقيقات في أداء الجيش والأجهزة الأمنية والحكومة، إلى جانب نقاش واسع بشأن المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم.
كما تركت الحرب آثارا عميقة على المجتمع الإسرائيلي، مع القتلى والمصابين والمحتجزين والنزوح من المناطق المحاذية لغزة.
وبعد ثلاث سنوات، لا تزال الحرب وتداعياتها حاضرة في السياسة الإسرائيلية، بينما تستعد البلاد لانتخابات عامة في 27 تشرين الأول 2026.
من غزة إلى المنطقة
لم تبق تداعيات 7 تشرين الأول محصورة في غزة وإسرائيل.
فمنذ الأيام الأولى للحرب، تحولت الحدود اللبنانية إلى جبهة قتال بين إسرائيل وحزب الله، كما ارتبطت هجمات جماعة الحوثي في البحر الأحمر بالحرب في غزة، وأثرت في حركة الملاحة والتجارة الدولية.
كما أصبحت إيران طرفا أكثر حضورا في الحسابات الأمنية الإقليمية، مع اتساع نطاق المواجهات في المنطقة خلال السنوات الثلاث التالية.
وبذلك، تحولت حرب غزة إلى عامل رئيسي في إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، وإن كانت التطورات في كل ساحة تحمل أيضا أسبابها وسياقاتها الخاصة.
القضية الفلسطينية تعود إلى الواجهة
أعاد 7 تشرين الأول القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وفتح نقاشا واسعا بشأن مستقبل القطاع وحل الدولتين والاستيطان والعلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
وانتقلت تداعيات الحرب أيضا إلى المؤسسات القضائية الدولية، مع إصدار المحكمة الجنائية الدولية في تشرين الثاني 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات وليست أحكاما بالإدانة.
كما لا تزال القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية مستمرة.
ثلاث سنوات غيّرت المشهد
بعد ثلاث سنوات، لم يعد 7 تشرين الأول مجرد هجوم أعقبه صراع في غزة، بل أصبح نقطة تحول في المشهد الإقليمي والدولي.
فالحرب خلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى ودمارا واسعا في غزة، وفرضت تحديا هائلا لإعادة الإعمار، بينما واجهت إسرائيل أسئلة أمنية وسياسية غير مسبوقة، واتسعت المواجهة إلى ساحات أخرى في المنطقة.
لكن وقف إطلاق النار لم ينتج تسوية نهائية.
فملف سلاح حماس لم يحسم، والانسحاب الإسرائيلي الكامل لم يتحقق، وترتيبات إدارة غزة لا تزال قيد التفاوض، وإعادة الإعمار لم تبدأ بالحجم الذي تفرضه الخسائر.
وبذلك، يبقى الاختبار الحقيقي للسنوات المقبلة ليس فقط الحفاظ على وقف إطلاق النار، بل تحويله إلى مسار سياسي قادر على تحديد مستقبل غزة، وإعادة إعمارها، ومعالجة جذور الصراع.
المملكة + وكالات