الجامعات العربية تستقبل طلبة الأردن من كل صوب وحدب والتعليم العالي يضيّق عليهم أبواب القبول في وطنهم

mainThumb
الجامعات العربية تستقبل طلبة الأردن من كل صوب وحدب والتعليم العالي يضيّق عليهم أبواب القبول في وطنهم

11-10-2026 01:23 PM

printIcon

أخبار اليوم - سهم محمد العبادي - في الوقت الذي تتباهى فيه الجامعات الأردنية باستقطاب الطلبة العرب والأجانب، تتجه أعداد من الطلبة الأردنيين إلى جامعات عربية وأجنبية بحثاً عن مقاعد دراسية في تخصصات يرغبون بدراستها، بعدما حالت شروط القبول الجامعي وتحديد أعداد المقاعد في بعض التخصصات دون تحقيق طموحاتهم داخل وطنهم، في مفارقة تفتح ملفاً اقتصادياً وتعليمياً واجتماعياً يتعلق بجدوى السياسات التي تحد من فرص الدراسة محلياً، بينما تستقبل الجامعات خارج المملكة الطلبة الأردنيين وأموال أسرهم.

ويرى مختصون في الشأن التعليمي أن نتائج القبول الجامعي تستدعي مراجعة شاملة للسياسات المعمول بها، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات النجاح والتفوق في الثانوية العامة، وما يقابله من محدودية المقاعد المتاحة في بعض التخصصات، الأمر الذي يدفع طلبة حصلوا على معدلات مرتفعة إلى البحث عن فرص تعليمية خارج الأردن، رغم وجود جامعات رسمية وخاصة تمتلك خبرات أكاديمية وبنية تعليمية يمكن تطويرها لاستيعاب أعداد إضافية وفق معايير الجودة والاعتماد.

وتكشف هذه القضية عن إشكالية تتجاوز مسألة قبول طالب في تخصص معين، لتصل إلى العلاقة بين التعليم العالي والاقتصاد الوطني، ومدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين تنظيم أعداد المقبولين والمحافظة على الموارد المالية التي تنفقها الأسر الأردنية على تعليم أبنائها، فضلاً عن ضمان العدالة في الحصول على الفرص التعليمية.

ويطرح مطلعون على واقع التعليم العالي تساؤلات حول جدوى تقليص أعداد المقبولين في بعض التخصصات بهدف الحد من البطالة، ما دام الطالب الأردني الذي لا يحصل على مقعد داخل المملكة يستطيع التوجه إلى جامعة عربية أو أجنبية، والحصول على المؤهل نفسه، ثم العودة بعد استيفاء متطلبات الاعتراف والمعادلة والترخيص للمنافسة في سوق العمل الأردني.

ويبرز تخصص الطب مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية، إذ إن الطالب الذي لا يتمكن من الحصول على مقعد في إحدى الجامعات الأردنية قد يلجأ إلى الدراسة خارج المملكة، ويتحمل مع أسرته تكاليف مالية مرتفعة على امتداد سنوات الدراسة، ثم يعود بعد التخرج ليواجه ظروف سوق العمل ذاتها التي استندت إليها قرارات تقليص المقاعد.

ومن وجهة نظر اقتصادية، فإن هذه المعادلة تستدعي قياس النتائج الفعلية لسياسات القبول، ومدى نجاحها في الحد من البطالة، مقابل ما قد يترتب عليها من انتقال الإنفاق التعليمي إلى الخارج، وخسارة الجامعات الأردنية فرصاً لاستقطاب الطلبة، وتراجع استفادة قطاعات الإسكان والنقل والخدمات والأسواق المحلية من الأموال التي كان يمكن إنفاقها داخل المملكة.

ويؤكد مختصون في الاقتصاد أن البطالة بين خريجي الجامعات لا يمكن تفسيرها بارتفاع أعداد الخريجين وحده، إذ ترتبط أيضاً بمحدودية قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل جديدة، وضعف التوسع في بعض القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتراجع قدرة المؤسسات على استحداث وظائف وتحمل تكاليف الأجور، إلى جانب الفجوة بين المهارات التي يمتلكها الخريجون ومتطلبات سوق العمل.

ويفرق باحثون في الشأن الاقتصادي بين تشبع سوق العمل بالخريجين وتشبع المجتمع بالخدمات التي يقدمونها، إذ قد توجد حاجة فعلية إلى المزيد من الأطباء أو المهندسين أو المعلمين في مناطق ومؤسسات مختلفة، بينما تحول محدودية التمويل والقدرة التشغيلية دون توفير الوظائف اللازمة لهم.

ومن هنا، فإن وجود خريجين عاطلين عن العمل لا يعني بالضرورة انتفاء الحاجة الاجتماعية أو المهنية إلى تخصصاتهم، وإنما قد يعكس ضعف القدرة الاقتصادية على تحويل تلك الحاجة إلى فرص تشغيل فعلية، وهو ما يستدعي معالجة اقتصادية تتجاوز قرارات القبول الجامعي.

ويشير مطلعون إلى أن تحميل التعليم العالي مسؤولية معالجة البطالة من خلال تقليص أعداد المقبولين قد يؤدي إلى نتائج محدودة إذا لم يترافق مع سياسات اقتصادية تعزز الاستثمار والتشغيل وتوسع النشاط الإنتاجي، خصوصاً أن انتقال الطلبة إلى الدراسة خارج الأردن يبقي الباب مفتوحاً أمام عودتهم إلى سوق العمل المحلية بعد التخرج.

وعلى المستوى المالي، فإن انتقال الطلبة الأردنيين إلى الجامعات العربية والأجنبية يعني انتقال جزء من إنفاق الأسر إلى اقتصادات الدول المستقبلة، بما يشمل الرسوم الجامعية والسكن والمعيشة والمواصلات والتأمين الصحي وغيرها من النفقات المرتبطة بالدراسة.

ولإيضاح حجم الأثر الاقتصادي المحتمل، فإن إنفاق ألف طالب عشرة آلاف دينار سنوياً يعني انتقال عشرة ملايين دينار إلى الخارج خلال عام واحد، وخمسين مليون دينار خلال خمس سنوات، وفق مثال حسابي افتراضي لا يمثل تقديراً رسمياً لحجم الإنفاق الفعلي.

ويرى باحثون اقتصاديون أن هذه المسألة تستدعي إعداد دراسة وطنية دقيقة تتناول أعداد الطلبة الأردنيين الدارسين خارج المملكة، وتخصصاتهم، والدول التي يقصدونها، ومتوسط إنفاقهم السنوي، وحجم الأموال التي يمكن الاحتفاظ بجزء منها داخل الاقتصاد الأردني من خلال تطوير فرص التعليم الجامعي محلياً.

وتزداد أهمية هذا الملف في ظل نجاح الأردن في استقطاب الطلبة الوافدين، إذ أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وصول أعداد الطلبة غير الأردنيين في مؤسسات التعليم العالي إلى أكثر من خمسة وخمسين ألف طالب مع بداية العام الجامعي 2025–2026، وهو ما يعكس مكانة الجامعات الأردنية وقدرتها على المنافسة إقليمياً.

لكن هذا النجاح، وفق قراءة تعليمية واقتصادية للواقع، يفرض ضرورة النظر إلى الجانب الآخر من المعادلة، والمتمثل في الطلبة الأردنيين الذين يغادرون المملكة بحثاً عن تخصصات لم يتمكنوا من دراستها محلياً، رغم استعداد أسرهم لتحمل تكاليف التعليم الجامعي.

ويعتبر مختصون في التعليم العالي أن استقطاب الطلبة الوافدين وتوسيع فرص الدراسة أمام الأردنيين هدفان يمكن العمل عليهما بالتوازي، من خلال زيادة الطاقة الاستيعابية للجامعات الرسمية والخاصة، وتطوير المختبرات والمرافق التعليمية، وتعزيز التدريب العملي، واستقطاب الكفاءات الأكاديمية، بما يضمن المحافظة على جودة المخرجات التعليمية.

وفي هذا السياق، شهد العام الجامعي 2026–2027 قرارات بزيادة أعداد المقاعد في تخصصي الطب وطب الأسنان، في خطوة ارتبطت أيضاً بالحد من توجه الطلبة الأردنيين إلى دراسة هذه التخصصات خارج المملكة، والمحافظة على الموارد المالية التي تنفقها أسرهم.

ويفتح هذا التوجه الباب أمام تساؤلات بشأن مدى كفاية الزيادة في المقاعد، وإمكانية مراجعة القيود المفروضة على تخصصات أخرى، ومدى ارتباط تحديد أعداد المقبولين بالطاقة الاستيعابية الأكاديمية الفعلية، أو بمؤشرات البطالة في سوق العمل.

ويشير مطلعون على واقع الجامعات الخاصة إلى أهمية إعادة تقييم الطاقة الاستيعابية لهذه المؤسسات وفق إمكاناتها الحقيقية، مع تشجيعها على الاستثمار في تطوير البنية التحتية والتجهيزات وأعضاء الهيئات التدريسية، بما يسمح بزيادة أعداد المقبولين دون المساس بالمعايير الأكاديمية.

وفي المقابل، يشدد مختصون في التعليم الطبي على أن التوسع في القبول يجب أن يستند إلى توفير التدريب السريري والمستشفيات التعليمية والمختبرات والكفاءات الأكاديمية اللازمة، لأن جودة التعليم في التخصصات الطبية ترتبط مباشرة بكفاءة الخريجين وسلامة المرضى، الأمر الذي يجعل التوسع المدروس ضرورة تتقدم على الزيادة العددية المجردة.

أما اجتماعياً، فإن استمرار انتقال الطلبة إلى الخارج نتيجة محدودية فرص القبول يضع الأسر الأردنية أمام أعباء مالية ومعيشية إضافية، ويجعل القدرة الاقتصادية عاملاً مؤثراً في مستقبل الطالب واختياراته الأكاديمية، خصوصاً أن بعض الأسر تستطيع تحمل نفقات الدراسة خارج المملكة، بينما تضطر أسر أخرى إلى توجيه أبنائها نحو تخصصات تختلف عن رغباتهم بسبب محدودية إمكاناتها المالية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن هذه الفجوة تستدعي مراجعة مفهوم تكافؤ الفرص التعليمية، بحيث لا تتحول قدرة الأسرة على تمويل الدراسة الخارجية إلى عامل حاسم في تحديد المستقبل المهني للطالب، ولا يصبح ارتفاع معدله في الثانوية العامة غير كافٍ لتحقيق طموحه بسبب محدودية المقاعد المتاحة محلياً.

وتتجاوز الآثار الاجتماعية لهذه الظاهرة الجانب المالي، لتشمل ابتعاد الأبناء عن أسرهم في مراحل عمرية مبكرة، وما يرتبط بذلك من تحديات معيشية واجتماعية وثقافية، فضلاً عن الأعباء التي تتحملها الأسر لمتابعة أبنائها وتوفير احتياجاتهم خارج المملكة.

ومن منظور السياسات العامة، فإن ملف القبول الجامعي يرتبط مباشرة بأهداف التحديث الاقتصادي والإداري، وبقدرة المؤسسات الرسمية على اتخاذ قرارات تستند إلى دراسات دقيقة تقيس نتائجها التعليمية والاقتصادية والاجتماعية، وتوازن بين احتياجات سوق العمل وحقوق الطلبة في الحصول على فرص تعليمية تتناسب مع قدراتهم.

ويطرح باحثون في السياسات العامة أهمية التنسيق بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات وهيئات الاعتماد ووزارات العمل والاستثمار والصحة والجهات الاقتصادية المعنية، لإعداد رؤية متكاملة تربط التعليم العالي بالتنمية الاقتصادية، وتتعامل مع الطالب الجامعي باعتباره استثماراً بشرياً طويل الأمد.

كما أن ربط القبول الجامعي باحتياجات سوق العمل الأردني وحده يستدعي المراجعة في ظل اتساع فرص العمل الإقليمية والدولية، وقدرة الكفاءات الأردنية على المنافسة خارج المملكة، الأمر الذي يجعل تطوير نوعية التعليم والمهارات والتدريب واللغات والبحث العلمي جزءاً أساسياً من أي سياسة تستهدف تعزيز فرص الخريجين.

ويؤكد هذا التوجه أهمية الانتقال من سياسة التركيز على أعداد المقبولين إلى سياسة تقوم على جودة التأهيل وتنوع الفرص التعليمية والتشغيلية، مع المحافظة على المعايير الأكاديمية، وتشجيع الجامعات على تطوير برامجها بما يتناسب مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية واحتياجات الأسواق المحلية والخارجية.

وتستدعي نتائج القبول الجامعي للعام 2026–2027، وفق هذه المعطيات، إجراء تقييم شامل للسياسات المعمول بها، يتناول أعداد الطلبة الذين لم يتمكنوا من دراسة تخصصاتهم المرغوبة، وحجم انتقالهم إلى الجامعات الخارجية، والكلفة الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على ذلك، ومدى نجاح القيود المفروضة على القبول في تحقيق الأهداف التي وضعت من أجلها.

كما تبرز الحاجة إلى إعلان الأسس التي تعتمدها الجهات المسؤولة في تحديد أعداد المقاعد الجامعية، والتمييز بين القيود المرتبطة بمتطلبات الجودة والاعتماد، وتلك المرتبطة بتقديرات احتياجات سوق العمل، بما يتيح تقييماً موضوعياً لنتائج القرارات ومدى انعكاسها على واقع الطلبة والجامعات والاقتصاد الوطني.

وتبقى معالجة البطالة مسؤولية اقتصادية وتنموية تتطلب تحفيز الاستثمار وتوسيع النشاط الإنتاجي والخدمي وزيادة فرص التشغيل وتحسين بيئة الأعمال، بالتوازي مع تطوير التعليم العالي، دون الاكتفاء بتقليص المقاعد الجامعية باعتباره أداة لمعالجة اختلالات سوق العمل.

فالأردن الذي استطاع بناء قطاع جامعي يستقطب عشرات الآلاف من الطلبة العرب والأجانب، يمتلك قاعدة تعليمية يمكن تطويرها لتوفير فرص أوسع أمام أبنائه، والمحافظة على جزء أكبر من الإنفاق التعليمي داخل المملكة، وتعزيز دور الجامعات في الاقتصاد الوطني.

وتعيد هذه القضية طرح سؤال جوهري أمام الحكومة ومجلس التعليم العالي: ما الجدوى الاقتصادية والاجتماعية من عدم إتاحة مقعد لطالب أردني في تخصص يرغب بدراسته داخل المملكة، إذا كان سيغادر إلى جامعة عربية أو أجنبية، وينفق أموال أسرته هناك، ثم يعود بعد سنوات حاملاً مؤهله الجامعي لينافس أقرانه في سوق العمل الأردني؟

وهو سؤال يستحق إجابة تستند إلى الأرقام والدراسات والنتائج، لأن مستقبل التعليم العالي الأردني يرتبط بقدرته على التوفيق بين جودة المخرجات وعدالة الفرص ومتطلبات التنمية، ولأن الأموال التي تغادر مع الطلبة الأردنيين تمثل جانباً من قضية اقتصادية واجتماعية أكبر تستدعي مراجعة السياسات التعليمية في ضوء نتائجها الفعلية.