النائب الدكتورة ديمة طهبوب
لو سألني أحد متى تحجبت؟ فالجواب الذي أحمد الله عليه أنني ألبس الحجاب منذ أن وعيت، وتدربت عليه منذ أن تفتحت مداركي وكنت ألبسه تقليدا لأمي تحديدا الطبيبة النسائية، وكنت ألبسه بخاطري ساعات منذ الصف الثالث وأنا حسن صبي العب في الشارع بقميص نصف كم وأركب البسكليت، وألبسه مع ذنبة الفرس و أخنق حالي بالربطة ثم غزغزت اصابعي بكل اشكال الدبابيس ،وأجمل ما في هذه المراحل كلها أن الحجاب كان رفيقي حتى و ان تركته بعض أيام أعود اليه فكبرنا سويا دون تساؤلات ولا استغراب وفي هذه المرحلة من طفولة الحجاب كان لأهلي ومدرستي دور كبير فجزاهم الله خيرا
أما مرحلة النضوج واليفاعة فهذه المرحلة التي نبدأ فيها بالتفكير والتساؤل، فهناك أحمد الله أني اخترت الحجاب طواعية بكل قناعة، قناعة التي أدركت عظم النعمة ورفعة المنزلة، لم أكن ملاكا ولم يكن جيلي ملائكيا بل ان وعيننا بدأ مع ظهور مجلات كالجميلة، سيدتي، هي، لك، أناقتك، الحسناء، بشرتك، وزنك..عناوين ومسميات براقة كنا نسمعها ونعايشها كل يوم تظهر بمظهر الحرص على المرأة والنصح لها أما الهدف المبطن فهو جعلها سلعة أو واجهة براقة جذابة لتحريك الأسواق الراكدة، عناوين لمضامين تركز على الجسد و فورة الدم واللحم وتنسى الروح و نورها التي إن أوقدت شعت على الجسد والعقل والقلب والقالب.
واني لما اردت أن أتحدث عن مزيّة المرأة المسلمة والحجاب لم أجد أجمل ولا ارقى من قوله تعالى :" لستن كأحد من النساء". ولا أظن أن أياً من بنات حواء لا ترغب بالتفرد أو لا تسعى للتبوء ، ولكن مهما حاولت النساء تطبيق نصائح الجمال والرشاقة والأناقة فستكون هناك دائما من هي أجمل من الأخريات أو أكثر رشاقة وأناقة وغيرها من منافسات الدنيا بمقاييس نسبيه تختلف بين البشر، و لكن بمنزلة القرآن فالتفرد مقر من الله سبحانه والأفضلية ثابتة في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة عندما سألته:" يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين قال بل نساء الدنيا أفضل من الحور كفضل الظهارة على البطانة قلت يا رسول الله و بم ذلك قال بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن لله تعالى ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الألوان خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب يقلن نحن الخالدات فلا نموت أبدا ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا طوبى لمن كنا له وكان لنا".
فكيف نبلغ هذه المنزلة المتفردة فوق كل النساء؟ وكيف يرتبط الحجاب ببلوغ هذه المنزلة؟ وهل الحجاب قطعة قماش أم ايمان ولباس واخلاق وأعمال؟
الدليل الإرشادي والخطوات العملية إلى بلوغ تلك المنزلة مفصل في الحصانة التي أرادها الله لنساء المسلمين فيبدأ بتطهير الروح بالتقوى " لستن كأحد من النساء إذا اتقيتن" ثم تغليف القلب واللسان بغلاف الحياء والعفة فلا خضوع بالقول ولا لين في اللفظ ولا تهييج للقلوب المريضة " فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض" ويلازم الحجاب التقوى وعفة الأخلاق الصلاة والزكاة وطاعة الله ورسوله " وأقمن الصلاة وأتين الزكاة وأطعن الله ورسوله".
هذه كلها الحجاب، كل هذا الايمان والتقوى، كل هذه الأخلاق والعبادات كلها الحجاب، فإذا اكتملت عناصر الحصانة كافأها الله بالتطهير من الرجس والآثام والنجس " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ..و يطهركم تطهيرا" ثم تكمل الاية في سلوك مسلك المسلمين والمؤمنين "إن المسلمين و المسلمات والمؤمنين والمؤمنات"، وتتتلمذ في مدرسة القنوت والصدق والصبر والخشوع والصدقة والصوم ودوام الذكر" والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات" حتى إذا ما استكمل الأساس وأرسيت القواعد، جاء كمال البناء واكتمال حلقة التميز في آية الحجاب (من السورة نفسها) " يا أيها النبي قل لازواجك وبنتاتك ونساء المؤمنين" لتكلل الجهود المضنية في بناء النفس والذات وتطهير القلب والجسد وتكون خاتمة المطاف لبلوغ منزلة "لستن كأحد من النساء" التي لا انتقاص بعدها ولا إيذاء أياً كان شكله" ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين" ، منزلة يقصرها من قصر نظره وضاق فهمه على نساء النبي صلى الله عليه وسلم دون إدراك لمقصود النص القرآني الذي يجمع بين خصوص اللفظ وعموم المعنى وشمول الحكم والتطبيق.
وبهذه النظرة القرآنية فالحجاب ليس زيا مظهريا يخلع أو يلبس أويتخلى عنه وفق الأهواء أو المناسبات والضغوط مهما عظمت أو اشتدت فهو هوية المرأة المسلمة وشخصيتها الظاهرة للعلن.
هذا هو الحجاب من أجل المرأة، المرأة التي يراد لها أن تدور في ساقية التلوين، والتصغير والتكبير، والنفخ والتنفيس علها تنال الإعجاب، وما من معجب، وكثير منهن ينتهي بهن الحال إلى الإصابة بالأمراض النفسية.
هذا هو الحجاب يريد أن يرفع قدر المرأة بفكرها وخلقها وما تحسن، ولا يحجبها عن المجتمع بل يزيد انخراطها فيه بثقة وايجابية دون أن يهمها تطلع الآخرين لها ورأيهم فيما ظهر أو بطن، رق أو ثخن، سمن أو نحف فتصبح مؤهلاتها وشخصيتها الفيصل في تقديمها وتقدمها.
هذا هو الحجاب قد يحارب ويضيق على من ترتديه فتوصم بالرجعية والتخلف والتأخر ولكن يذكرها الرافعي:" ربما عابوا السمو بأنه قليل ولكن الخير كذلك وبأنه غريب ولكن الحق كذلك وبأنه محير ولكن الحسن كذلك وبأنه كثير التكاليف ولكن الحرية كذلك."
و حتى لو استشهدنا بغير الاسلام من الحضارات الأخرى لوجدنا الحجاب مظهر يرفع قدر المرأة و يبين مكانتها الاجتماعية ففي مقدمة كتابه يقول نضال الهندي أن المرأة الحرة في حضارة الأشوريين كانت محجبة و أن الاشورييون من أقدم الشعوب التي كانت نساؤهم تلبس الحجاب. و نظرة بسيطة في الأديان السماوية الأخرى لهي اثبات كاف على ربانية الحجاب الذي اجتمعت عليه كل الأديان بشكل من أشكال الغطاء الساتر للمرأة و تكللت فرضيته بالاسلام الذي تمم مكارم الأخلاق و الأديان.
فإذا كان الحجاب و الحشمة موجودان في الاديان و مناسبان للفطرة، فأين إضافة الاسلام لهذا الرمز بل هذه الفريضة ؟! اذن فلا بد أن معنى الحجاب و وظيفته مختلفة و تنطق بذلك الاية الكريمة "أن يُعرفن" فالله سبحانه و تعالى أراد للنساء أن يصبحن معرفة و أعلاما و رايات بهذا الحجاب بعد أن عشن في جاهلية الظلم و الاستنقاص من بشريتهن و حقوقهن و دورهن، ظهر هذا الانقلاب في المفاهيم ملازما لنزول اية الحجاب فخرجت النساء الى المسجد في صلاة الفجر بكل حرية و أمان الى مركز الدولة للفعالية و التلقي و العطاء، اكتست المدينة بالحجاب و صارت المرأة المسلمة معروفة و معرفة و بدأت عهود من العمل و البناء كانت النساء فيها في قلب الحدث حتى عندما كان مجرد حلم و بشرى و رؤيا فها هي ام حرام بنت ملحان تسمع عن إخبار الرسول صل الله عليه و سلم عن القوم الذين يركبون البحر (اول غزوات البحر) فتسارع بالطلب ان تكون منهم، لا تمنعها انوثتها و لا ضعف المرأة و لا كل ما نعرفه من مثبطات، و يقرها الرسول على طلبها بل و يزيد أنها من الأوائل
هذا هو دور الحجاب في الاسلام الحفاظ على الخاص ليتألق في الدوائر الخاصة وإطلاق القدرات البشرية، دون الالتفات الى جنسها، لتتألق في الميدان العام للمنفعة العامة دون ملهيات و لا معطلات و لا محددات
الحجاب أراد لك أيتها المحجبة أن تكوني معرفة في كل شيء، على مستوى الاخلاق و الإيمان أولا فتكوني مصحفا يمشي على الأرض و دعوة تمشي على قدمين بل وجه الاسلام الظاهر للعيان، معرفة بين أهلك و معارفك بصلة الرحم و خفض الجناح و الخدمة، معرفة في علمك فتكونين الأميز في دراستك و في قسمك و بين أبناء جامعتك، معرفة في عملك بتميز الأداء و الأمانة و الحرص على الوطن، بالحجاب يجب ان تحرصي ان تكوني الطبيبة الأكثر تميزا، المهندسة الاكثر تفوقا، المعلمة الاكثر انتاجا، الأم الأنجح تربية، و الجارة الأكرم خلقا و أكثر تواصلا لتؤدي رسالة الحجاب
وفي الوقت الذي ننشغل فيه أحيانا بأسئلة بسيطة عن الحجاب التي يعدها البعض حاصل تحصيل بل لا نجد اي مشكلة في ارتداء الحجاب حتى أصبح للكثيرات عادة لا عبادة ننظر الى اخريات يكون الحجاب عندهن كالجهاد، رسالة يجب الدفاع عنها كل يوم بشكل مرهق و مدم للقلب، ففي انجازات تركيا كان يحتفى بوصول المحجبات الى القصر الرئاسي و الجامعات بعد سنوات من حظره و تجريمه كما يحتفى بالانجازات السياسية و الاقتصادية، وهو الان ما زال يمنع ويجرم في دول تتدعي الديمقراطية والتقدم
في الوقت الذي نستسهل تناول الحجاب لارتداءه و نعتبره أمر بديهيا تخوض بعض المسلمات حربا للدفاع عن حق ارتداءه و للدفاع عن صورته و سماحته و طهره و الدين الذي يمثله
ليس كافيا أن تكوني محجبة فكثيرات يضعن خرقا على رؤوسهن ولا يفعلن بها أو لها شيئا، المطلوب أن نجعل من قطعة القماش هذه التي نزلت مكرمة من فوق سبع سماوات صورة مشرقة لدين أعطى النساء ما لم تعطه لهن الحضارات الأخرى
انظري للحجاب وأنه نزل لك دون غيرك وخصك الله بالتشريف والتكليف دون غيرك فماذا ستكون اضافتك؟ ليس كل من لبست قد لبست، و قد يكون للمرء من عبادته كلها او نصفها او ثلثها او عشرها و قد لا يكون له منها شيئا فترمى كخرقة بالية في وجهه!
اذا لم تمش ِو أنت رضية النفس مطمئنة الجوارح مرفوعة الرأس مرفوعة الجناب قوية الجنان قوية الارادة و اليد ثابتة الخطى واضحة الهدف فأنت لم تتحجبي بعد، هذه كلها و هذا هو الحجاب
كل النساء قد يخترن أن يتغطين من رأسهن الى أخمص قدميهن فما ميزة لباس التقوى اذن اذا لم يكن له دور أعظم من كونه قطعة قماش؟
كبرت لأعي أن الحجاب ليس غطاء رأس يؤخذ بالوراثة ،بل هو عبادة، وهوية، ورسالة، ودين يمشي على قدمين ،وحسنات تتجمع، ورضى من الله في كل خطوة، وكان الحجاب هو الدافع للتفوق والتميز في المدرسة وفي الجامعة وفي كل مواقع الحياة
ولقد اعطاني الحجاب قوة وانطلاقا في مجال التعليم الاكاديمي في الجامعات وفي مجال العمل السياسي وفوق ذلك احتراما وتقديرا في التعامل يتناسب مع جلال الحجاب
الحجاب ليس فقط قطعة قماش تستر المرأة وتمنع الاجانب من رؤية زينتها الظاهرة كما ينص التعريف اللغوي والاصطلاحي لكلمة الحجاب ولكنه مع ذلك عمل في الحياة العامة وخدمة للناس وتقدم في كل المجالات وعالم مفتوح لكل حلال وهمة تمتد ما بين السماء والارض
عندما اقف أمام المرآة لاضع الحجاب أحمد الله على هذا التكريم والهبة التي تتعدى المظهر الى المخبر والسلوك وتجعلني اثق بخيار الله لي على أنه أفضل وأكرم الخيارات