نورالدين نديم
الديمقراطية تبدأ من البيت ثم المدرسة حيث يتربى الطفل على ممارستها ويتعلم الطالب معنى الاختيار وحرية التعبير واحترام الرأي الآخر وتحمل المسؤولية وتقبل رأي الأغلبية..
ومن هنا أتت فكرة المجالس البرلمانية الطلابية بوصفها أداة تربوية يُفترض أن تسهم في إعداد جيل قادر على الحوار والمشاركة وصناعة المبادرات.
وتنص تعليمات هذه المجالس على أهداف تتجاوز تشكيل إطار طلابي منتخب لتشمل تنمية الممارسات الديمقراطية وتعزيز الانتماء الوطني وترسيخ ثقافة الحوار وإشراك الطلبة في تطوير البيئة المدرسية.
كما تحدد إجراءات انتخابية تبدأ بالتوعية والترشح وتنتهي بالاقتراع وإعلان النتائج.
لكن السؤال الجوهري: هل تكفي ممارسة الانتخابات -شكلاً- لتعليم الديمقراطية؟ أم أن الدروس الحقيقية تبدأ بعد إعلان النتائج؟
فالفارق كبير بين طالب يتعلم خطوات الاقتراع وآخر يمارس حقه في التعبير ويناقش مشكلات مدرسته ويطرح الحلول ويجد من يستمع إلى مقترحاته ويتعامل معها بجدية.
فقد تُجرى الانتخابات وفق التعليمات، لكن جدواها تبقى مرتبطة بما يُمنح للمجالس من مساحة حقيقية للعمل والمشاركة.
إن المجلس الذي تنتهي مهمته بإعلان أعضائه دون برامج واضحة أو متابعة للمقترحات أو تفاعل من الإدارة المدرسية، قد يتحول إلى ممارسة شكلية لا تحقق الغايات التربوية المنشودة.
وفي المقابل فإن المجلس الذي يُمنح الفرصة للمبادرة والحوار والمشاركة في معالجة القضايا المدرسية يصبح مختبراً عملياً لتعلم القيادة والمسؤولية.
ولا تقع المسؤولية على الطلبة وحدهم، فالإدارة المدرسية والمعلمون شركاء في نجاح التجربة من خلال التوجيه دون وصاية والاستماع دون إقصاء واحترام الاختلاف ضمن الضوابط التربوية.
كما أن الانتخابات نفسها ينبغي أن تكون فرصة لتعلم النزاهة وتكافؤ الفرص، لا مجرد منافسة على الشعبية والعلاقات الشخصية.
إن نجاح المجالس البرلمانية الطلابية لا يُقاس بعدد الانتخابات التي أُجريت ولا بعدد الأعضاء الذين فازوا، بل بمدى انعكاس التجربة على وعي الطلبة وسلوكهم وبما أتاحته لهم من فرص حقيقية للتعبير والمبادرة وتحمل المسؤولية.
فهل نُعلّم أبناءنا الديمقراطية أم نُدرّبهم على إجراءاتها فقط؟!
سؤال يستحق أن يتجاوز حدود التعليمات إلى واقع ما يحدث في الميدان عبر تقييم التجربة والاستماع إلى الطلبة والمعلمين والتحقق من أثر هذه المجالس في الحياة المدرسية. فالديمقراطية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالممارسة، ولن تصبح ثقافة راسخة ما لم يجد الطالب في مدرسته نموذجاً حقيقياً لما يتعلمه.