«مكتفون ذاتيًا ونستورد من الصين» .. من يفسّر قرار استيراد الدواجن؟

mainThumb
«مكتفون ذاتيًا ونستورد من الصين!».. من يفسّر قرار استيراد الدواجن؟

14-10-2026 03:17 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - أثار ملف استيراد لحوم الدواجن من الصين تساؤلات حول سياسة الاستيراد الزراعي في الأردن، ومدى انعكاسها على المنتج المحلي والمزارعين، في ظل ما يُطرح بشأن قدرة المملكة على تلبية احتياجات السوق من الدواجن محليًا. ويعيد هذا الملف إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين توفير المنتجات للمستهلكين، وحماية الإنتاج الوطني، وضمان استدامة القطاع الزراعي.

وتصاعدت التساؤلات عقب تداول مقطع لاجتماع ظهر فيه فارس حمودة وهو يطرح أسئلة على مسؤولين في وزارة الزراعة بشأن مبررات فتح باب استيراد لحوم الدواجن من الصين، ومدى الحاجة إلى هذه الخطوة في ضوء التقارير التي تتحدث عن الاكتفاء الذاتي من الدواجن في الأردن.

السؤال المحوري الذي يفرض نفسه: إذا كان الإنتاج المحلي قادرًا على تغطية احتياجات السوق، فما المبررات الاقتصادية والفنية لفتح باب الاستيراد؟ وهل استند القرار إلى دراسة حديثة لحجم الإنتاج والاستهلاك، والأسعار، وحاجة السوق الفعلية، أم أن هناك اعتبارات أخرى تستدعي توضيحها للرأي العام؟


تتجاوز القضية مجرد السماح بدخول منتج جديد إلى السوق الأردني، لتصل إلى مستقبل مربي الدواجن والمنتجين المحليين، الذين يتحملون تكاليف الأعلاف والطاقة والنقل والتشغيل، ويواجهون تحديات تتعلق بأسعار البيع وهوامش الربح واستمرارية الإنتاج.

وفي حال دخول منتجات مستوردة بأسعار تنافسية، فإن السؤال المطروح يتمثل في مدى قدرة المنتج الأردني على المنافسة، وما إذا كانت الجهات المعنية قد درست الأثر المتوقع على المزارع المحلية، خصوصًا إذا كان القطاع يواجه فائضًا في الإنتاج أو صعوبات في تصريف الكميات المتاحة.

ومن هنا، تبرز أهمية البحث عن حلول مستدامة لتسويق الإنتاج المحلي، وفتح أسواق تصديرية جديدة، وتطوير سلاسل التوريد والتخزين والتصنيع، بدلًا من الاكتفاء بالاستيراد بوصفه خيارًا لتلبية احتياجات السوق دون تقييم شامل لتداعياته على المزارعين والاقتصاد الزراعي.

ولا يعني ذلك أن الاستيراد مرفوض في جميع الظروف، بل إن أي قرار من هذا النوع يحتاج إلى مبررات معلنة ودراسة واضحة تبيّن حاجة السوق، وأثر القرار على الأسعار والمستهلكين والمنتجين، ومدى توافقه مع أهداف حماية الإنتاج الوطني.

إلى جانب الأبعاد الاقتصادية، يبرز جانب لا يقل أهمية يتعلق بسلامة لحوم الدواجن المستوردة ومطابقتها للمواصفات الأردنية، وآليات فحصها والرقابة عليها قبل دخولها إلى الأسواق.

وتتقدم هذه الأسئلة مسألة الالتزام بمتطلبات الذبح الحلال، والجهات التي تمنح شهادات المطابقة وتتحقق من صحتها، فضلًا عن إجراءات الرقابة البيطرية والصحية، وشروط النقل والتخزين، والفحوص المخبرية التي تضمن سلامة المنتج وصلاحيته للاستهلاك.

ومن الضروري أن تقدم الجهات المختصة توضيحات دقيقة بشأن الاشتراطات المفروضة على هذه المنتجات، وآليات التحقق من استيفائها للمتطلبات الشرعية والصحية والفنية، بما يضمن حق المستهلك في معرفة مصدر الغذاء الذي يصل إلى مائدته.

فالثقة بالمنتجات الغذائية لا تُبنى على التصريحات وحدها، وإنما على رقابة فعالة وإجراءات معلنة وشفافية في تطبيق المواصفات، سواء كان المنتج محليًا أو مستوردًا.

يفرض ملف الدواجن سؤالًا أوسع حول مفهوم الأمن الغذائي، الذي لا يقتصر على توافر المنتجات في الأسواق، بل يشمل أيضًا قدرة المملكة على الحفاظ على قاعدة إنتاج محلية مستدامة، وتقليل مواطن الضعف في سلاسل الإمداد، وحماية المزارعين من التقلبات التي قد تهدد استمرارهم في العمل.

كما أن القرارات المتعلقة بالاستيراد الزراعي تحتاج إلى حوار مباشر مع أصحاب المصلحة، وفي مقدمتهم المزارعون ومربو الدواجن وممثلو القطاع، إلى جانب المستهلكين والجهات الرقابية والاقتصادية. فالتشاور المسبق ودراسة أثر القرارات يمكن أن يساعدا في تجنب الإضرار بالإنتاج المحلي، مع الحفاظ على المنافسة العادلة وتوفير الغذاء بأسعار مناسبة.

وتبرز هنا ضرورة توضيح الأسس التي استندت إليها وزارة الزراعة في قرار استيراد لحوم الدواجن من الصين، بما يشمل بيانات الإنتاج المحلي والاستهلاك، وتقديرات العرض والطلب، وأثر الاستيراد المتوقع على الأسعار، والضمانات الصحية والشرعية المعتمدة.

إن القضية ليست مجرد دجاج مستورد من الصين، بل اختبار لمدى وضوح السياسة الزراعية وقدرتها على الموازنة بين مصلحة المستهلك، واستدامة الإنتاج الوطني، وحماية الأمن الغذائي الأردني.

ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة من الجهات المعنية: ما الحاجة الفعلية إلى استيراد لحوم الدواجن من الصين، وما الضمانات التي تكفل عدم الإضرار بالمنتج المحلي، والتأكد من سلامة المنتجات المستوردة ومطابقتها للمواصفات الأردنية؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة، مدعومة بالبيانات والدراسات، هي الطريق إلى نقاش عام قائم على الحقائق، يحفظ حقوق المستهلكين والمزارعين، ويعزز الثقة بالقرارات المتعلقة بواحد من أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن الغذائي في المملكة.