كتب : امجد صقر الكريمين
لم يكن الهجوم المسلح والآثم الذي استهدف كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حَمّود بمحافظة الكرك، مجرد حادث أمني عابر؛ بل كان اعتداءً سافراً وغادراً ضرب أقدس قيمنا الإنسانية والوطنية المشتركة. إن استهداف مواطنين آمنين ومصلين مسالمين أثناء خروجهم من تشييع جنازة، هو محاولة خبيثة ويائسة لزعزعة استقرار المجتمع الأردني وبث الفتنة والفرقة بين أبناء الجسد الواحد. غير أن الرد الأردني جاء فورياً وحاسماً، ليؤكد أن الكنائس والمساجد في هذا الوطن هي بيوتنا جميعاً، وأن الدم الأردني لا يقبل القسمة ولا التجزئة.
من الناحية التحليلية والصحفية، لا يمكن فصل هذا الهجوم الجبان عن سياق الفكر الإرهابي الظلامي الذي يعادي الحياة والاستقرار. لقد اختار المخططون قرية "حَمّود" الوادعة في الكرك لما تحمله هذه المحافظة من رمزية تاريخية واجتماعية؛ حيث يتجذر العيش المشترك والتآخي الإسلامي المسيحي منذ قرون بعيدة كنموذج متماسك وصعب الاختراق.
حاول الإرهابيون من خلال كسر حرمة الموت ودور العبادة تحقيق ثلاثة أهداف خبيثة:
1. صناعة شرخ طائفي: واستهاماً منهم بأن استهداف كنيسة قد يولد ردود أفعال تضعف السلم الأهلي.
2. ضرب هيبة الاستقرار الأمني: الذي تباهي به المملكة وسط إقليم مضطرب وملتهب.
3. التأثير على الروح المعنوية: للمواطنين ببث الذعر عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
لكن حسابات قوى الظلام سقطت فوراً أمام صخرة الوعي الجمعي؛ فالمجتمع الأردني بمختلف أطيافه وفعالياته التفّ كبنيان مرصوص حول الدولة وأجهزتها الأمنية، وتحولت الفاجعة إلى ملحمة غضب واستنكار أكدت أن رصاص الغدر لم يزد الجبهة الداخلية إلا صلابة وعناداً.
الرسائل الوطنية الحازمة: الدولة والسيادة والأمن
تفرض هذه الجريمة النكراء ضرورة قراءة المشهد وتوجيه ثلاث رسائل وطنية حاسمة للداخل والخارج:
• الرسالة الأولى: لا تهاون مع التطاول على أمن الوطن: كما جاء في الرسالة الصارمة لـ جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، فإن الدولة ستواجه هذا العمل الإجرامي بأشد العقوبات، ولن تفلت الأيدي الآثمة التي خططت ونفذت من يد العدالة والقانون.
الأردن دولة قانون ومؤسسات، والسيادة الأمنية خط أحمر لا يقبل المناورة.
• الرسالة الثانية: النسيج الاجتماعي عصي على التمزيق: إن تلاحم العشائر الأردنية مسلمين ومسيحيين في الكرك وكل المحافظات، وهتافهم بصوت واحد "الكنائس بيوتنا"، هو الرد الحقيقي الذي يثبت فشل الأيديولوجيا الظلامية في فهم الطبيعة البنيوية للمجتمع الأردن المتماسك.
• الرسالة الثالثة: الثقة المطلقة بالأجهزة الأمنية: إن الجهود المتواصلة لـ مديرية الأمن العام وكوادر الدفاع المدني في ملاحقة الجناة وإخلاء المصابين تعكس أعلى درجات الجاهزية والاحترافية.
الواجب الإعلامي: نحو استراتيجية للمجابهة الفكرية والرقمية
بصفتنا صناع رأي ومستقبل الإعلام الوطني، تضعنا هذه الحادثة أمام مسؤولية مهنية استباقية. إن مجابهة الإرهاب إعلامياً تتطلب تبني أسلوبين رئيسيين:
1. الالتزام بالرواية الرسمية الواعية: والابتعاد الكامل عن تداول الشائعات أو الفيديوهات التي تخدم أهداف الجناة في نشر الذعر والترويع، والالتزام الصارم بتعليمات الأجهزة الأمنية لحماية سير التحقيقات.
2. تفكيك الفكر المتطرف رقمياً: صياغة خطاب إعلامي تفكيكي حديث يجفف منابع التطرف في الفضاء الرقمي، ويعزز إبراز الهوية الوطنية الجامعة كحائط صد منيع لحماية عقول الشباب من السموم الدخيلة على عاداتنا وقيمنا.
خاتمة: الكرك قلعة الصمود والشهداء
ستظل بلدة حَمّود وكل شبر من محافظة الكرك الأبية عصية على الانكسار والشروخ. إن دماء الشهداء السبعة الأبرار الذين ارتقوا اليوم هي مداد جديد يكتب تاريخ التلاحم والتضحية الأردنية الخالدة. سيندحر الإرهاب وأصحابه ويجرون أذيال الخيبة والخسران، وسيبقى الأردن حراً، شامخاً، بقيادته الهاشمية الفذة، ووعي شعبه العظيم، وبسالة جيشه وأجهزته الأمنية الباسلة.
المجد والخلود للشهداء، الشفاء العاجل للجرحى والمصابين، وحفظ الله الأردن واحة أمن وأمان.
قراءة تحليلة
باحث بالشان العام
Amjadalkremeen@gmail.com