المحامي صهيب رائد العتوم
في أعقاب العملية الإرهابية التي شهدتها الكنيسة في محافظة الكرك، وما أثارته من تساؤلات حول الجهات التي تقف خلف مثل هذه الأعمال ودوافعها، هناك من يحلف بالله بأن إيران تقف خلف تلك العملية، وهناك من يحلف بأن إسرائيل هي التي تقود مثل هذه العمليات لزرع الفتنة بين مكونات الشعب الأردني، فيما يوجّه آخرون أصابع الاتهام إلى أصحاب
الفكر الإخواني، باعتبار
أن بعض الأفكار المتطرفة قد تدفع بالبعض إلى الانحراف عن بوصلة الإسلام المعتدل والوسطي، بما قد يشوّه صورة الإسلام الحقيقي.
وفي الحقيقة، نحن بحاجة إلى
أن نضرب بفكرٍ من حديد، لا بيدٍ من حديد في كل مرة؛ لأن المعركة، في جوهرها، هي معركة فكرية، بغضّ النظر عمّن يقودها أو يغذّيها، سواء كانت إسرائيل، أو إيران، أو بعض التيارات الإخوانية، أو المتأثرين بالفكر الإيراني، أو الجماعات التكفيرية. فالأسماء تتعدد، والجهات قد تختلف، لكن الخطر الحقيقي يكمن في
الفكر الذي يبرّر العنف، ويستبيح دماء الأبرياء، ويحوّل الاختلاف إلى عداوة، والاعتقاد إلى أداة للإقصاء والكراهية.
ومن هنا، فإن مواجهة الإرهاب لا تبدأ فقط بالبحث عن الجهة التي تقف خلفه، بل تبدأ أيضاً بمواجهة البيئة الفكرية التي تسمح له بالنمو، وبترسيخ الوعي الذي يحصّن المجتمع من التضليل والتطرف. فالمعالجة الأمنية ضرورة لحماية الأرواح وصون الاستقرار، لكنها لا تكفي وحدها ما لم ترافقها معالجة فكرية وقانونية وتربوية تُجفّف منابع الكراهية، وتُرسّخ احترام الإنسان وكرامته، وتمنع استغلال الدين أو السياسة لتبرير الاعتداء على الآخرين.
ونحن لسنا بحاجة إلى حديث يبدأ بكلمة «التعايش»، لأن التعايش قد يُفهم أحياناً على أنه أمر مفروض عليك من أجل احتواء كل شخص يختلف عنك. أما الطبيعي، فهو
أن تعيش
مع الاختلاف، لا
أن تتعايش معه وكأنه عبء ينبغي احتماله؛ فالاختلاف سنة الحياة، والتنوع حقيقة إنسانية لا يمكن إلغاؤها. وليس المطلوب
أن نتشابه في أفكارنا أو معتقداتنا، بل
أن ندرك
أن اختلافنا لا يمنح أحداً الحق في الاعتداء على الآخر أو الانتقاص من كرامته أو المساس بحقه في الحياة والأمن.
إن الاعتداء على كنيسة أو مسجد أو أي مكان للعبادة ليس مجرد اعتداء على بناء أو جماعة دينية بعينها، بل هو اعتداء على مبدأ أعمق، يتمثل في حق الإنسان في ممارسة شعائره الدينية بأمان، وفي حق المجتمع بأسره في
أن يعيش بعيداً عن الخوف والفتنة. فحرمة الدم لا تتجزأ، وكرامة الإنسان لا تتبدل باختلاف دينه أو مذهبه أو فكره، وأمن الأردنيين ليس قضية تخص فئة دون أخرى، بل هو مسؤولية وطنية جامعة.
والأردن دولة عدالة ومساواة، ويجب
أن نبدأ حديثنا عن سيادة النظام القانوني فيها، وألا ينشغل الإعلام فقط بالحديث عن السردية الأردنية بوصفها خطاباً وطنياً، بل
أن نجعله مساحة للحديث عن الأخلاق الحسنة، وعن حقوق الإنسان التي أقرّها الإسلام، والتي تطورت عبر التاريخ الإنساني إلى مبادئ قانونية وتشريعات مكتوبة، أصبح الالتزام بها واجباً على كل من يعيش على هذه الرقعة الجغرافية المقدسة، مواطناً كان أم مقيماً.
فالسردية الوطنية لا تكتمل بالشعارات، وإنما تترسخ
حين يشعر كل إنسان بأن القانون يحميه، وأن كرامته مصونة، وأن حقه في الحياة والعبادة والأمن لا يخضع لمزاج أحد أو لتوجه جماعة أو لقوة تيار. كما
أن سيادة القانون لا تعني مجرد وجود النصوص التشريعية، بل تعني تطبيقها بعدالة ومساواة، ومحاسبة كل من يعتدي على حقوق الآخرين وفقاً للأدلة والإجراءات القانونية، بعيداً عن الانتقام والتعميم والاتهامات التي تسبق التحقيق.
وفي الختام، فإن أخطر ما يمكن
أن تخلّفه العمليات الإرهابية ليس عدد الضحايا وحده، بل قدرتها على زرع الشك بين أبناء الوطن الواحد، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى صراع، والخوف المشروع إلى كراهية متبادلة. وهنا تكمن مسؤوليتنا الحقيقية: ألّا نسمح للجريمة بأن تنتصر مرتين؛ مرة
حين تعتدي على الإنسان، ومرة
حين تنجح في تفكيك المجتمع من الداخل.
إن الدولة القوية ليست تلك التي تكتفي بقدرتها على معاقبة الجاني، بل تلك التي تستطيع حماية المجتمع من الأسباب التي تنتج الجريمة، وصون الحقوق دون تمييز، وإقامة العدل دون انفعال. فالقانون هو الحد الفاصل بين العدالة والانتقام، والفكر الواعي هو الحصن الذي يحول دون استغلال الدين أو الهوية أو الاختلاف في صناعة الكراهية.
ولعلّ جوهر المسألة كلّها يكمن في حقيقة قانونية وإنسانية واحدة: لا يجوز
أن يُدان إنسان بهوية غيره، ولا
أن يُبرَّأ مجرم بسبب هوية ضحيته، ولا
أن تُختزل العدالة في اتهام جهة
قبل ثبوت مسؤوليتها. فالمتهم لا تثبت إدانته إلا وفقاً للقانون، والحقوق لا تُصان بالظنون، والوطن لا يُحمى بإشعال الفتن بين أبنائه.
إن معركتنا الحقيقية ليست
مع اختلاف الأديان أو المذاهب أو الاتجاهات السياسية، بل
مع كل فكر يجعل من الاختلاف مبرراً للعنف، ومن الكراهية وسيلة للسيطرة، ومن الإنسان هدفاً مشروعاً للقتل. وحين ننتصر على هذا
الفكر بالوعي، ونواجه الجريمة بالقانون، ونحمي الإنسان بالعدالة، نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح لبناء دولة لا يخشى فيها أحدٌ على دمه بسبب معتقده، ولا يشعر فيها أحدٌ بأنه غريب عن وطنه بسبب اختلافه.
فالأوطان لا يحميها
السلاح وحده، ولا تصونها الشعارات وحدها؛ إنما يحميها عقلٌ يرفض الفتنة، وقانونٌ لا يحابي أحداً، وعدالةٌ تجعل كرامة الإنسان خطاً أحمر لا يتجاوزه أحد.