بعد الكرك… من يحاسب على أثر الوقاية من التطرف؟

mainThumb

27-10-2026 06:17 PM

printIcon



بقلم: د. ميرفت المهيرات

في كل مرة يضرب فيها الإرهاب، نعرف جيداً كيف نحزن، وكيف نتضامن، وكيف نؤكد أن وحدتنا الوطنية أقوى من محاولات تمزيقها، لكننا، بعد أن تهدأ الصدمة، نادراً ما نطرح السؤال الأصعب: ماذا فعلنا منذ المرة السابقة حتى لا تتكرر المأساة؟

في التاسع من تشرين الثاني عام 2005، استهدف الإرهاب ثلاثة فنادق في عمّان، وكان من بين ضحاياه أبرياء اجتمعوا للاحتفال بزفاف، وبعد نحو واحد وعشرين عاماً، وفي الثالث والعشرين من تشرين الأول 2026، امتدت يد الإرهاب إلى مشيعين داخل كنيسة في بلدة حمود بمحافظة الكرك؛ وبين الحادثتين، سنوات طويلة من الجهود الوطنية والمبادرات الفكرية والتشريعات والبرامج التي استهدفت مواجهة التطرف والإرهاب، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن مدى انعكاس هذه الجهود على الوعي المجتمعي وقدرتها على الوقاية من العنف قبل وقوعه. ولا يجوز اختزال هذه المسيرة في حادثة واحدة، كما لا يجوز أن تمنعنا الإنجازات المتحققة من مراجعة ما لم يحقق النتائج المرجوة.

لقد أدرك جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، منذ سنوات طويلة، أن المواجهة الأمنية، على ضرورتها، ليست كافية وحدها لاجتثاث التطرف؛ فجاءت رسالة عمّان عام 2004، ثم مبادرة «كلمة سواء»، وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، واجتماعات العقبة، لتؤكد أن حماية المجتمعات تبدأ أيضاً من تصحيح المفاهيم، واحترام الاختلاف، وتعزيز الحوار، ومواجهة الفكر الذي يبرر العنف. وهذا الرصيد الوطني يستحق أن نبني عليه، لا أن نكتفي بالاستشهاد به؛ فحين وجّه جلالة الملك، في الرابع والعشرين من تشرين الأول 2026، الحكومة والمؤسسات المعنية إلى مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه ضمن خطة منهجية، كان أمامنا مدخل مهم للانتقال من السؤال عن وجود البرامج إلى السؤال عن أثرها، وهنا تكمن القضية التي تستحق نقاشاً وطنياً صريحاً: هل نعرف فعلاً ما الذي تغير في وعي المجتمع نتيجة ما أنفقناه من وقت وجهد وموارد على مكافحة التطرف؟

لدينا مؤسسات تعليمية ودينية وشبابية وثقافية، ولدينا استراتيجيات ومبادرات وطنية وشراكات دولية، لكن القيمة الحقيقية لأي سياسة عامة لا تكمن في عدد الجهات المشاركة فيها، ولا في حجم الأنشطة التي تنفذها، بل في قدرتها على إحداث تغيير يمكن التحقق منه؛ فقد تنفذ مؤسسة عشرات المحاضرات عن التسامح دون أن تعرف إن كانت قد غيّرت موقفاً متعصباً واحداً، وقد تعقد جامعة مؤتمراً عن المواطنة بينما لا تقيس مدى قدرة طلبتها على تقبل الآراء والمعتقدات المختلفة، وقد تنفق جهة موارد على التوعية الرقمية دون أن تختبر ما إذا أصبح الشباب أكثر قدرة على كشف خطاب التحريض والتجنيد المتطرف. وهذه ليست أحكاماً مسبقة على أداء المؤسسات، وإنما أسئلة مشروعة ينبغي أن تجيب عنها أدوات التقييم والدراسات الميدانية.

فالتطرف ليس ظاهرة بسيطة يمكن معالجتها بمحاضرة أو منشور توعوي، إذ تشير الدراسات إلى تداخل عوامل فكرية واجتماعية ونفسية وسياسية في مسارات التطرف العنيف، دون أن يكون أي عامل منفرد سبباً حتمياً له؛ ولهذا، فإن التعامل معه يحتاج إلى فهم البيئة التي ينشأ فيها، لا الاكتفاء بتكرار الرسائل العامة عن الاعتدال. ومن المهم هنا ألا يتحول الاهتمام بالوقاية إلى اتهام للمجتمعات المحلية أو للشباب أو للمتدينين، فالتدين ليس تطرفاً، والاختلاف ليس تهديداً، والفقر ليس تهمة، وإنما يبدأ الخطر عندما تتحول القناعات إلى مبرر لإقصاء الآخر أو استباحة حياته. ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن ننشغل بمن ارتكب الجريمة، ثم نغفل عن فهم المسارات التي قادته إليها، مع ضرورة عدم افتراض أسباب محددة لحادثة الكرك أو إسقاط نتائج دراسات عامة على أشخاص بعينهم قبل اكتمال التحقيقات.

ومن هنا، أرى أن مراجعة سياسات مكافحة التطرف ينبغي أن تبدأ بخطوة مؤسسية واضحة تتمثل في إجراء تقييم وطني مستقل لبرامج الوقاية القائمة، يحدد ما نُفذ، وما أُنفق عليه، والفئات التي وصل إليها، والنتائج التي أمكن إثباتها، دون الحاجة بالضرورة إلى إنشاء مؤسسة جديدة تضاف إلى الهياكل القائمة؛ فالأجدى بناء آلية تنسيق ومساءلة تستثمر القدرات الموجودة، وتمنع تكرار البرامج وتداخل المسؤوليات. ويمكن للحكومة أن تبدأ بحصر المبادرات المنفذة خلال السنوات الماضية، ثم تكليف فريق متعدد التخصصات بمراجعتها وفق معايير معلنة، على أن يشارك في التقييم مختصون في الإدارة العامة والتربية وعلم الاجتماع وعلم النفس والقانون والدراسات الدينية، إلى جانب ممثلين عن المجتمعات المحلية، بما يضمن أن تعكس نتائج المراجعة الواقع الفعلي، لا التصورات الإدارية وحدها.

ويمكن أن تتضمن مؤشرات التقييم مدى تقبل الاختلاف، والقدرة على تمييز خطاب الكراهية والتحريض، والثقة بالمؤسسات، ومهارات التفكير النقدي، وفاعلية قنوات الإرشاد والدعم المجتمعي، مع مراعاة الخصوصية وحقوق الإنسان، على أن تُستخدم نتائج التقييم لتعديل البرامج وتطويرها، لا لتجميل التقارير؛ فالبرنامج الذي لا يحقق أثراً يستحق التطوير أو الاستبدال، مهما كانت النوايا التي أطلقته حسنة.

وهنا تبرز مسؤولية الجامعات على وجه الخصوص، فالجامعة ليست مؤسسة لتقديم المعرفة المهنية فقط، بل مساحة لتشكيل الوعي وإدارة الاختلاف، وإذا كانت تدرّس الجودة والحوكمة والتخطيط الاستراتيجي وتقييم الأداء، فمن المنطقي أن توظف هذه الأدوات أيضاً في دراسة قضايا التماسك الاجتماعي والوقاية من التطرف. كما أن للأحزاب السياسية دوراً يتجاوز إصدار بيانات الإدانة، فالحياة الحزبية القائمة على التعددية والحوار واحترام القانون تتيح للأفراد التعبير عن اختلافاتهم بوسائل سلمية، وتمنح الشباب فرصاً للمشاركة في مناقشة القضايا العامة، بدلاً من تركهم أسرى للخطابات المغلقة.

أما المجتمعات المحلية، فلا ينبغي أن تكون مجرد جمهور يتلقى برامج جاهزة من المركز، إذ إن إشراك الأهالي والشباب والقيادات الدينية والمجتمعية في تحديد الاحتياجات وتصميم المبادرات وتقييمها يمنح الوقاية فرصة أكبر للاستجابة للواقع، بدلاً من الاكتفاء بحلول موحدة لمشكلات تختلف من منطقة إلى أخرى. ومن الضروري كذلك أن تنتهي هذه المراجعة إلى تقرير وطني دوري يوضح ما تحقق، وما تعثر، وما يحتاج إلى تغيير، دون الكشف عن معلومات أمنية حساسة أو بيانات شخصية؛ فالشفافية هنا ليست غاية إعلامية، بل وسيلة للتعلم المؤسسي وتعزيز الثقة.

إن حماية الأردنيين مسؤولية الدولة بكل مؤسساتها، والأجهزة الأمنية تؤدي دوراً محورياً في مواجهة الخطر المباشر وإنفاذ القانون، لكن الوقاية من التطرف مسؤولية أوسع تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمر بالجامعة والمؤسسة الدينية والإعلام والحزب والمجتمع المحلي. وفي هذه اللحظة المؤلمة، لا بد من التأكيد أن الاعتداء على كنيسة في الكرك هو اعتداء على أمن الأردنيين جميعاً؛ فالمسيحي الأردني شريك أصيل في هذا الوطن، وحقه في الحياة والأمان وممارسة شعائره ليس منّة من أحد، بل حق تحميه المواطنة وسيادة القانون، ومن هنا، لا ينبغي أن ينتهي التضامن بانتهاء أيام الحداد، أو أن تصبح دماء الضحايا مناسبة جديدة نضيفها إلى ذاكرتنا الوطنية دون أن نتعلم منها.

لقد راكم الأردن خبرة مهمة في مواجهة الإرهاب، وقدم مبادرات فكرية ودينية حظيت بحضور دولي، والتحدي اليوم ليس في إثبات وجود هذه الجهود، بل في معرفة نتائجها، وتطوير ما يحتاج إلى تطوير، وربط كل مسؤولية بمؤشر أداء وكل برنامج بأثر ملموس؛ فالفرق كبير بين دولة تنفذ برامج لمكافحة التطرف، ودولة تعرف، على نحو موثق، ما الذي حققته تلك البرامج.

إن الوفاء لضحايا عمّان والكرك لا يتحقق فقط بإحياء ذكراهم، وإنما بأن تكون خسارتهم دافعاً لحماية أرواح أخرى؛ ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نضعه اليوم أمام مؤسساتنا ليس: كم فعالية نظمنا لمكافحة التطرف؟ بل: كم خطوة حقيقية قطعناها نحو مجتمع أكثر وعياً، وأكثر قدرة على احترام الاختلاف، وأقل قابلية للاستجابة للكراهية؟

فحين تصبح الوقاية مسؤولية قابلة للقياس والمساءلة، لا مجرد شعار نرفعه بعد كل مأساة، نكون قد بدأنا بتحويل الألم إلى سياسة، والتضامن إلى عمل، والذاكرة إلى حماية المستقبل.