أخبار اليوم - عواد الفالح - في كثير من بيوت العزاء، يتكرر مشهد صار مألوفًا أكثر مما ينبغي: موائد طعام تُنصب، عشاء يُقدَّم، ومعزّون يجلسون للأكل، بينما أهل الميت يقفون جانبًا، يراقبون بصمت، أو ينسحبون إلى الداخل مثقلين بالحزن والتعب. مشهد يترك سؤالًا ثقيلًا في النفس: متى تحوّل العزاء من مساحة للمواساة إلى عبء إضافي على من فقدوا أعزّ الناس؟
الفكرة الأساسية في العزاء، دينيًا واجتماعيًا، تقوم على التخفيف عن أهل المصاب، لا إثقالهم. النصوص الدينية واضحة في هذا السياق؛ فالسنة تحث على أن يُصنع الطعام لأهل الميت، لا أن يُطالَبوا هم بصناعته. المقصد إنساني قبل أن يكون فقهيًا: أهل الميت في حالة حزن وذهول وانشغال نفسي، وأقل ما يُنتظر من المجتمع أن يرفع عنهم مؤونة الحياة اليومية، لا أن يضيف إليها كلفة مادية وتنظيمية واجتماعية.
لكن مع مرور الوقت، دخلت العادات على خط العزاء بقوة. تحوّل تقديم الطعام إلى ما يشبه “الواجب الاجتماعي”، وأصبح غيابه مدعاة للهمس واللوم وربما الاتهام بالبخل أو التقصير. هنا خرجت الممارسة من إطار التعزية إلى دائرة الضغط الاجتماعي، حيث يشعر أهل الميت أنهم مطالبون بإرضاء الناس في لحظة هم بأمسّ الحاجة فيها لمن يراعي حالتهم لا صورته أمام الآخرين.
من جهة أخرى، يرى بعض المدافعين عن هذه الممارسات أن تقديم الطعام جزء من الكرم، وأنه تقليد اجتماعي هدفه إكرام الضيف والحفاظ على تماسك المجتمع، خصوصًا في البيئات التي ترى في العزاء مناسبة جامعة لا يمكن فصلها عن طقوس الضيافة. هذا الرأي يستند إلى بُعد ثقافي متجذّر، ويعتبر أن المشكلة ليست في المبدأ، بل في المبالغة والتكلّف.
في المقابل، يردّ منتقدو هذا الطرح بأن الكرم الحقيقي في العزاء ليس في كثرة الطعام، بل في صدق المواساة. الضيف في بيت العزاء لا يأتي ليتعشّى، بل ليقف إلى جانب أهل الفقيد، يخفف عنهم بالكلمة والحضور والدعاء. وحين يتحوّل الطعام إلى محور المشهد، يختل الميزان، وتضيع الغاية الأصلية، بل ويُساء إلى روح التعزية نفسها.
اقتصاديًا، لا يمكن تجاهل العبء المالي الذي تفرضه هذه العادات، خاصة على العائلات محدودة الدخل. تكاليف الطعام، إلى جانب مصاريف أخرى مرتبطة بالعزاء، قد تضع الأسرة في ضائقة حقيقية في لحظة ضعف. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل من المنطق أن يتحمّل أهل الميت أعباء إضافية فقط لإرضاء عرف اجتماعي قابل للنقاش والمراجعة؟
اجتماعيًا، يطرح الموضوع نقاشًا أوسع حول قدرتنا على مراجعة عاداتنا دون أن نشعر أننا نهدم قيمنا. هل مراجعة عادة ما تعني التخلي عن التراحم؟ أم أنها خطوة نحو إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح؟ كثيرون يرون أن المجتمع القوي هو الذي يملك شجاعة التمييز بين ما هو جوهر القيم وما هو مجرد تراكم عادات فرضها الزمن.
اللافت أن هناك تحولات بدأت تظهر في بعض المجتمعات، حيث بات الإعلان المسبق عن عدم تقديم الطعام في بيوت العزاء يُقابل بتفهّم واحترام، بل ويُنظر إليه كخطوة واعية تُعيد للعزاء معناه الحقيقي. هذه التحولات، وإن كانت بطيئة، تعكس وعيًا متزايدًا بأن الدين والإنسانية يلتقيان عند نقطة واحدة: رفع الحرج عن أهل المصاب.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا للنقاش: هل نملك الجرأة لإعادة تعريف العزاء بوصفه مساحة للمواساة الخالصة، بعيدًا عن التكلّف والمظاهر؟ وهل نستطيع أن ننتصر للمعنى الإنساني والديني على حساب العرف الاجتماعي حين يتعارض معه؟ ربما يكون الجواب في أبسط صورة: أن نسأل أنفسنا، في كل عزاء نحضره، ماذا يحتاج أهل الميت فعلًا… كلمة صادقة، دعاء، حضور محترم، أم مائدة طعام؟
أخبار اليوم - عواد الفالح - في كثير من بيوت العزاء، يتكرر مشهد صار مألوفًا أكثر مما ينبغي: موائد طعام تُنصب، عشاء يُقدَّم، ومعزّون يجلسون للأكل، بينما أهل الميت يقفون جانبًا، يراقبون بصمت، أو ينسحبون إلى الداخل مثقلين بالحزن والتعب. مشهد يترك سؤالًا ثقيلًا في النفس: متى تحوّل العزاء من مساحة للمواساة إلى عبء إضافي على من فقدوا أعزّ الناس؟
الفكرة الأساسية في العزاء، دينيًا واجتماعيًا، تقوم على التخفيف عن أهل المصاب، لا إثقالهم. النصوص الدينية واضحة في هذا السياق؛ فالسنة تحث على أن يُصنع الطعام لأهل الميت، لا أن يُطالَبوا هم بصناعته. المقصد إنساني قبل أن يكون فقهيًا: أهل الميت في حالة حزن وذهول وانشغال نفسي، وأقل ما يُنتظر من المجتمع أن يرفع عنهم مؤونة الحياة اليومية، لا أن يضيف إليها كلفة مادية وتنظيمية واجتماعية.
لكن مع مرور الوقت، دخلت العادات على خط العزاء بقوة. تحوّل تقديم الطعام إلى ما يشبه “الواجب الاجتماعي”، وأصبح غيابه مدعاة للهمس واللوم وربما الاتهام بالبخل أو التقصير. هنا خرجت الممارسة من إطار التعزية إلى دائرة الضغط الاجتماعي، حيث يشعر أهل الميت أنهم مطالبون بإرضاء الناس في لحظة هم بأمسّ الحاجة فيها لمن يراعي حالتهم لا صورته أمام الآخرين.
من جهة أخرى، يرى بعض المدافعين عن هذه الممارسات أن تقديم الطعام جزء من الكرم، وأنه تقليد اجتماعي هدفه إكرام الضيف والحفاظ على تماسك المجتمع، خصوصًا في البيئات التي ترى في العزاء مناسبة جامعة لا يمكن فصلها عن طقوس الضيافة. هذا الرأي يستند إلى بُعد ثقافي متجذّر، ويعتبر أن المشكلة ليست في المبدأ، بل في المبالغة والتكلّف.
في المقابل، يردّ منتقدو هذا الطرح بأن الكرم الحقيقي في العزاء ليس في كثرة الطعام، بل في صدق المواساة. الضيف في بيت العزاء لا يأتي ليتعشّى، بل ليقف إلى جانب أهل الفقيد، يخفف عنهم بالكلمة والحضور والدعاء. وحين يتحوّل الطعام إلى محور المشهد، يختل الميزان، وتضيع الغاية الأصلية، بل ويُساء إلى روح التعزية نفسها.
اقتصاديًا، لا يمكن تجاهل العبء المالي الذي تفرضه هذه العادات، خاصة على العائلات محدودة الدخل. تكاليف الطعام، إلى جانب مصاريف أخرى مرتبطة بالعزاء، قد تضع الأسرة في ضائقة حقيقية في لحظة ضعف. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل من المنطق أن يتحمّل أهل الميت أعباء إضافية فقط لإرضاء عرف اجتماعي قابل للنقاش والمراجعة؟
اجتماعيًا، يطرح الموضوع نقاشًا أوسع حول قدرتنا على مراجعة عاداتنا دون أن نشعر أننا نهدم قيمنا. هل مراجعة عادة ما تعني التخلي عن التراحم؟ أم أنها خطوة نحو إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح؟ كثيرون يرون أن المجتمع القوي هو الذي يملك شجاعة التمييز بين ما هو جوهر القيم وما هو مجرد تراكم عادات فرضها الزمن.
اللافت أن هناك تحولات بدأت تظهر في بعض المجتمعات، حيث بات الإعلان المسبق عن عدم تقديم الطعام في بيوت العزاء يُقابل بتفهّم واحترام، بل ويُنظر إليه كخطوة واعية تُعيد للعزاء معناه الحقيقي. هذه التحولات، وإن كانت بطيئة، تعكس وعيًا متزايدًا بأن الدين والإنسانية يلتقيان عند نقطة واحدة: رفع الحرج عن أهل المصاب.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا للنقاش: هل نملك الجرأة لإعادة تعريف العزاء بوصفه مساحة للمواساة الخالصة، بعيدًا عن التكلّف والمظاهر؟ وهل نستطيع أن ننتصر للمعنى الإنساني والديني على حساب العرف الاجتماعي حين يتعارض معه؟ ربما يكون الجواب في أبسط صورة: أن نسأل أنفسنا، في كل عزاء نحضره، ماذا يحتاج أهل الميت فعلًا… كلمة صادقة، دعاء، حضور محترم، أم مائدة طعام؟
أخبار اليوم - عواد الفالح - في كثير من بيوت العزاء، يتكرر مشهد صار مألوفًا أكثر مما ينبغي: موائد طعام تُنصب، عشاء يُقدَّم، ومعزّون يجلسون للأكل، بينما أهل الميت يقفون جانبًا، يراقبون بصمت، أو ينسحبون إلى الداخل مثقلين بالحزن والتعب. مشهد يترك سؤالًا ثقيلًا في النفس: متى تحوّل العزاء من مساحة للمواساة إلى عبء إضافي على من فقدوا أعزّ الناس؟
الفكرة الأساسية في العزاء، دينيًا واجتماعيًا، تقوم على التخفيف عن أهل المصاب، لا إثقالهم. النصوص الدينية واضحة في هذا السياق؛ فالسنة تحث على أن يُصنع الطعام لأهل الميت، لا أن يُطالَبوا هم بصناعته. المقصد إنساني قبل أن يكون فقهيًا: أهل الميت في حالة حزن وذهول وانشغال نفسي، وأقل ما يُنتظر من المجتمع أن يرفع عنهم مؤونة الحياة اليومية، لا أن يضيف إليها كلفة مادية وتنظيمية واجتماعية.
لكن مع مرور الوقت، دخلت العادات على خط العزاء بقوة. تحوّل تقديم الطعام إلى ما يشبه “الواجب الاجتماعي”، وأصبح غيابه مدعاة للهمس واللوم وربما الاتهام بالبخل أو التقصير. هنا خرجت الممارسة من إطار التعزية إلى دائرة الضغط الاجتماعي، حيث يشعر أهل الميت أنهم مطالبون بإرضاء الناس في لحظة هم بأمسّ الحاجة فيها لمن يراعي حالتهم لا صورته أمام الآخرين.
من جهة أخرى، يرى بعض المدافعين عن هذه الممارسات أن تقديم الطعام جزء من الكرم، وأنه تقليد اجتماعي هدفه إكرام الضيف والحفاظ على تماسك المجتمع، خصوصًا في البيئات التي ترى في العزاء مناسبة جامعة لا يمكن فصلها عن طقوس الضيافة. هذا الرأي يستند إلى بُعد ثقافي متجذّر، ويعتبر أن المشكلة ليست في المبدأ، بل في المبالغة والتكلّف.
في المقابل، يردّ منتقدو هذا الطرح بأن الكرم الحقيقي في العزاء ليس في كثرة الطعام، بل في صدق المواساة. الضيف في بيت العزاء لا يأتي ليتعشّى، بل ليقف إلى جانب أهل الفقيد، يخفف عنهم بالكلمة والحضور والدعاء. وحين يتحوّل الطعام إلى محور المشهد، يختل الميزان، وتضيع الغاية الأصلية، بل ويُساء إلى روح التعزية نفسها.
اقتصاديًا، لا يمكن تجاهل العبء المالي الذي تفرضه هذه العادات، خاصة على العائلات محدودة الدخل. تكاليف الطعام، إلى جانب مصاريف أخرى مرتبطة بالعزاء، قد تضع الأسرة في ضائقة حقيقية في لحظة ضعف. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل من المنطق أن يتحمّل أهل الميت أعباء إضافية فقط لإرضاء عرف اجتماعي قابل للنقاش والمراجعة؟
اجتماعيًا، يطرح الموضوع نقاشًا أوسع حول قدرتنا على مراجعة عاداتنا دون أن نشعر أننا نهدم قيمنا. هل مراجعة عادة ما تعني التخلي عن التراحم؟ أم أنها خطوة نحو إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح؟ كثيرون يرون أن المجتمع القوي هو الذي يملك شجاعة التمييز بين ما هو جوهر القيم وما هو مجرد تراكم عادات فرضها الزمن.
اللافت أن هناك تحولات بدأت تظهر في بعض المجتمعات، حيث بات الإعلان المسبق عن عدم تقديم الطعام في بيوت العزاء يُقابل بتفهّم واحترام، بل ويُنظر إليه كخطوة واعية تُعيد للعزاء معناه الحقيقي. هذه التحولات، وإن كانت بطيئة، تعكس وعيًا متزايدًا بأن الدين والإنسانية يلتقيان عند نقطة واحدة: رفع الحرج عن أهل المصاب.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا للنقاش: هل نملك الجرأة لإعادة تعريف العزاء بوصفه مساحة للمواساة الخالصة، بعيدًا عن التكلّف والمظاهر؟ وهل نستطيع أن ننتصر للمعنى الإنساني والديني على حساب العرف الاجتماعي حين يتعارض معه؟ ربما يكون الجواب في أبسط صورة: أن نسأل أنفسنا، في كل عزاء نحضره، ماذا يحتاج أهل الميت فعلًا… كلمة صادقة، دعاء، حضور محترم، أم مائدة طعام؟
التعليقات