أخبار اليوم - تالا الفقيه - في الأردن، كان بيت العزاء دائمًا مساحة صمت. مكانًا تُخفَّض فيه الأصوات، وتُطأطأ الرؤوس، ويُقدَّم فيه الحزن على كل شيء آخر. كان الدخول إليه فعل احترام، والجلوس فيه مشاركة وجدانية صامتة، لا تحتاج كلمات كثيرة ولا حركات لافتة. لكن شيئًا ما تغيّر، وبشكل فاضح أحيانًا.
في السنوات الأخيرة، ومع كل وفاة عامة أو رحيل مسؤول أو شخصية معروفة، بدأت ظاهرة غريبة تتسلل إلى بيوت العزاء: هواتف مرفوعة، صور تُلتقط، ابتسامات تُوزَّع، وكأن المشهد مناسبة اجتماعية أو استعراض حضور، لا فاجعة إنسانية. البعض يتنقل من عزاء إلى آخر، يحرص على الظهور، يوثّق وجوده، يبتسم للكاميرا، ثم يغادر وكأنه أدى “واجب صورة” لا واجب عزاء.
المجتمع الأردني، بطبيعته المحافظة وقيمه المتجذرة، ينظر إلى هذا السلوك باستهجان واضح. ليس لأن العزاء طقس جامد، بل لأنه مساحة أخلاقية قبل أن يكون اجتماعية. العزاء ليس حضورًا شكليًا، بل مواساة صامتة، ووقوفًا إلى جانب أهل الفقد في لحظة انكسارهم. الابتسامة هنا ليست لائقة، والكاميرا ليست في مكانها، والظهور ليس أولوية.
الأردنيون يدركون، حتى وإن لم يصرخوا بذلك دائمًا، أن احترام الموت جزء من احترام الحياة. وأن الفاجعة لا تحتمل التوثيق، ولا تحتاج إثبات حضور. كثيرون باتوا يعبّرون عن غضبهم في المجالس الخاصة، وفي النقاشات العامة، رافضين تحويل العزاء إلى منصة اجتماعية، أو إلى مساحة استعراض علاقات ونفوذ.
الأخطر في هذه الظاهرة أنها لا تجرح مشاعر أهل الفقيد فقط، بل تضرب معنى العزاء نفسه. حين يصبح التركيز على الصورة لا على الدعاء، وعلى الابتسامة لا على المواساة، نفقد جوهر الفعل الإنساني. يتحول العزاء من فعل تضامن إلى مشهد فارغ، ومن لحظة خشوع إلى مناسبة علاقات عامة.
ليست المشكلة في الحضور، ولا في كثرة المعزين، بل في النية والسلوك. من يدخل بيت عزاء ليخفف، لا ليُرى. ومن يواسي، لا يحتاج دليلًا رقميًا. فالفقد لا يُوثَّق، والحزن لا يُشارك كمنشور، والميت لا ينتظر صورة… بل دعاءً صادقًا، وصمتًا محترمًا.
السؤال الذي يطرحه الشارع الأردني اليوم بوضوح، وإن بصوت منخفض أحيانًا: متى فقدنا إحساسنا بالمكان؟ ومتى سمحنا للكاميرا أن تتقدّم على الكرامة؟ وربما الأهم: هل نملك الشجاعة لإعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة العزاء إلى معناه الحقيقي… قبل أن نفقد آخر مساحات الاحترام الصامت في مجتمعنا؟
أخبار اليوم - تالا الفقيه - في الأردن، كان بيت العزاء دائمًا مساحة صمت. مكانًا تُخفَّض فيه الأصوات، وتُطأطأ الرؤوس، ويُقدَّم فيه الحزن على كل شيء آخر. كان الدخول إليه فعل احترام، والجلوس فيه مشاركة وجدانية صامتة، لا تحتاج كلمات كثيرة ولا حركات لافتة. لكن شيئًا ما تغيّر، وبشكل فاضح أحيانًا.
في السنوات الأخيرة، ومع كل وفاة عامة أو رحيل مسؤول أو شخصية معروفة، بدأت ظاهرة غريبة تتسلل إلى بيوت العزاء: هواتف مرفوعة، صور تُلتقط، ابتسامات تُوزَّع، وكأن المشهد مناسبة اجتماعية أو استعراض حضور، لا فاجعة إنسانية. البعض يتنقل من عزاء إلى آخر، يحرص على الظهور، يوثّق وجوده، يبتسم للكاميرا، ثم يغادر وكأنه أدى “واجب صورة” لا واجب عزاء.
المجتمع الأردني، بطبيعته المحافظة وقيمه المتجذرة، ينظر إلى هذا السلوك باستهجان واضح. ليس لأن العزاء طقس جامد، بل لأنه مساحة أخلاقية قبل أن يكون اجتماعية. العزاء ليس حضورًا شكليًا، بل مواساة صامتة، ووقوفًا إلى جانب أهل الفقد في لحظة انكسارهم. الابتسامة هنا ليست لائقة، والكاميرا ليست في مكانها، والظهور ليس أولوية.
الأردنيون يدركون، حتى وإن لم يصرخوا بذلك دائمًا، أن احترام الموت جزء من احترام الحياة. وأن الفاجعة لا تحتمل التوثيق، ولا تحتاج إثبات حضور. كثيرون باتوا يعبّرون عن غضبهم في المجالس الخاصة، وفي النقاشات العامة، رافضين تحويل العزاء إلى منصة اجتماعية، أو إلى مساحة استعراض علاقات ونفوذ.
الأخطر في هذه الظاهرة أنها لا تجرح مشاعر أهل الفقيد فقط، بل تضرب معنى العزاء نفسه. حين يصبح التركيز على الصورة لا على الدعاء، وعلى الابتسامة لا على المواساة، نفقد جوهر الفعل الإنساني. يتحول العزاء من فعل تضامن إلى مشهد فارغ، ومن لحظة خشوع إلى مناسبة علاقات عامة.
ليست المشكلة في الحضور، ولا في كثرة المعزين، بل في النية والسلوك. من يدخل بيت عزاء ليخفف، لا ليُرى. ومن يواسي، لا يحتاج دليلًا رقميًا. فالفقد لا يُوثَّق، والحزن لا يُشارك كمنشور، والميت لا ينتظر صورة… بل دعاءً صادقًا، وصمتًا محترمًا.
السؤال الذي يطرحه الشارع الأردني اليوم بوضوح، وإن بصوت منخفض أحيانًا: متى فقدنا إحساسنا بالمكان؟ ومتى سمحنا للكاميرا أن تتقدّم على الكرامة؟ وربما الأهم: هل نملك الشجاعة لإعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة العزاء إلى معناه الحقيقي… قبل أن نفقد آخر مساحات الاحترام الصامت في مجتمعنا؟
أخبار اليوم - تالا الفقيه - في الأردن، كان بيت العزاء دائمًا مساحة صمت. مكانًا تُخفَّض فيه الأصوات، وتُطأطأ الرؤوس، ويُقدَّم فيه الحزن على كل شيء آخر. كان الدخول إليه فعل احترام، والجلوس فيه مشاركة وجدانية صامتة، لا تحتاج كلمات كثيرة ولا حركات لافتة. لكن شيئًا ما تغيّر، وبشكل فاضح أحيانًا.
في السنوات الأخيرة، ومع كل وفاة عامة أو رحيل مسؤول أو شخصية معروفة، بدأت ظاهرة غريبة تتسلل إلى بيوت العزاء: هواتف مرفوعة، صور تُلتقط، ابتسامات تُوزَّع، وكأن المشهد مناسبة اجتماعية أو استعراض حضور، لا فاجعة إنسانية. البعض يتنقل من عزاء إلى آخر، يحرص على الظهور، يوثّق وجوده، يبتسم للكاميرا، ثم يغادر وكأنه أدى “واجب صورة” لا واجب عزاء.
المجتمع الأردني، بطبيعته المحافظة وقيمه المتجذرة، ينظر إلى هذا السلوك باستهجان واضح. ليس لأن العزاء طقس جامد، بل لأنه مساحة أخلاقية قبل أن يكون اجتماعية. العزاء ليس حضورًا شكليًا، بل مواساة صامتة، ووقوفًا إلى جانب أهل الفقد في لحظة انكسارهم. الابتسامة هنا ليست لائقة، والكاميرا ليست في مكانها، والظهور ليس أولوية.
الأردنيون يدركون، حتى وإن لم يصرخوا بذلك دائمًا، أن احترام الموت جزء من احترام الحياة. وأن الفاجعة لا تحتمل التوثيق، ولا تحتاج إثبات حضور. كثيرون باتوا يعبّرون عن غضبهم في المجالس الخاصة، وفي النقاشات العامة، رافضين تحويل العزاء إلى منصة اجتماعية، أو إلى مساحة استعراض علاقات ونفوذ.
الأخطر في هذه الظاهرة أنها لا تجرح مشاعر أهل الفقيد فقط، بل تضرب معنى العزاء نفسه. حين يصبح التركيز على الصورة لا على الدعاء، وعلى الابتسامة لا على المواساة، نفقد جوهر الفعل الإنساني. يتحول العزاء من فعل تضامن إلى مشهد فارغ، ومن لحظة خشوع إلى مناسبة علاقات عامة.
ليست المشكلة في الحضور، ولا في كثرة المعزين، بل في النية والسلوك. من يدخل بيت عزاء ليخفف، لا ليُرى. ومن يواسي، لا يحتاج دليلًا رقميًا. فالفقد لا يُوثَّق، والحزن لا يُشارك كمنشور، والميت لا ينتظر صورة… بل دعاءً صادقًا، وصمتًا محترمًا.
السؤال الذي يطرحه الشارع الأردني اليوم بوضوح، وإن بصوت منخفض أحيانًا: متى فقدنا إحساسنا بالمكان؟ ومتى سمحنا للكاميرا أن تتقدّم على الكرامة؟ وربما الأهم: هل نملك الشجاعة لإعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة العزاء إلى معناه الحقيقي… قبل أن نفقد آخر مساحات الاحترام الصامت في مجتمعنا؟
التعليقات